تصغير الخط تكبير الخط
معين الطاهر

إذا كانت الحياة وقفة عز فقد فعلتها الدكتورة ريما خلف، حين تقدّمت باستقالتها المدوية من منصبها مساعدة للأمين العام للأمم المتحدة ومديرة تنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا). لم تتردد ريما لحظة واحدة في تقديم استقالتها، على الرغم من أنّه قد تبقّى لها نحو أسبوعين أو أقل قليلًا، كي تحظى بتقاعد مريح بعد أعوام خدمتها الطويلة في المنظمة الدولية. إذ إنّ الأمر جلل، وكان لا بد من قرع ناقوس الخطر، بالنظر لما يجتاح المنظمة الدولية من ضغوط وتهديدات أميركية وصهيونية تمنع الحق أنّ يُقال، وتُعرّض صدقيّة الأمم المتحدة ومؤسساتها وقراراتها للخطر، حين تحل الغطرسة والقوة مكان الحق والعدل.

ليست هذه المرة الأولى، فقد دأب المندوبان الصهيوني والأميركي، وبتأييد من دولٍ عربيةٍ لا تحبذ الحديث عن الأثر السيئ للثورة المضادة وللاستبداد والفساد وقمع الحريات وكم الأفواه، إلى تقديم شكاوى للأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، بوجوب عزل ريما خلف من موقعها، فضلًا عن ترداد المعزوفة الدائمة بمعاداة السامية، لأنّها تجرأت وقالت أكثر من مرة إنّ جوهر مشكلات المنطقة يعود إلى الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني. في إحدى المرات، قدّمت ريما استقالتها رغبة منها في تخفيف وطأة الضغوط التي يتعرّض لها الأمين العام، ووصلت إلى حد التهديد بإيقاف المساعدات المالية، ما يهدّد بنيان المؤسسة الدولية وخدماتها بالانهيار. حينها رفض كي مون الاستقالة، وطوي هذا الملف موقتًا.

ولأنّ دوام الحال من المحال، فقد اختلفت الظروف مع الأمين العام الجديد، أنطونيو غوتيريس، ومع التشدد الملحوظ لدى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والذي ربط المساعدات المالية بالمواقف السياسية للمنظمة الدولية، ومع عدم كبح جماح اليمين الصهيوني الحاكم، وتراجع مواقف الدول العربية، وانهيار تضامنها، وانشغالها بالحروب الأهلية، ووقوف بعضها حماية لنظامه ضد أي محاولةٍ تنويريةٍ تنادي بالحرية والعدل ورفع الظلم.

كانت المواجهة الأولى قبل شهرين عند نشر تقرير "الإسكوا" (الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل). يومها ثارت ثائرة الكيان الصهيوني وأميركا وبعض العرب الذين اعتبروا التقرير يمسّ بأحوالهم البائسة بشكل مباشر، وكان كاتب هذه السطور قد نشر في خصوصه في "العربي الجديد"، مقالته "تقرير الأمم المتحدة الممنوع". سُحب التقرير من المطبعة بعد إنجازه، ونظرًا لتسرّب نسخ منه، تم التوصل إلى تفاهم مع الأمين العام للأمم المتحدة أن تتنازل الأخيرة عن ملكيتها الفكرية، وتعيده إلى الباحثين العرب الذين أعدّوه، ليقرروا بشأنه ما يشاؤون، وقد اجتمعوا في بيروت، وقرّروا إصداره على مسؤوليتهم ونفقتهم الشخصية.

صدر أول من أمس (16/3/2017)، تقرير آخر أكثر جرأة، بل هناك من عدّه التقرير الأول الذي يصدر من إحدى مؤسسات الأمم المتحدة، ويتهم الكيان الصهيوني بأنّه يمارس سياسة الأبارتايد (التمييز العنصري)، مثل كيان جنوب أفريقيا، بل ويدعو إلى مقاطعته ووقف الاستثمارات فيه، وإحالته إلى المحاكم الدولية، وفرض العقوبات عليه.

أعدّ التقرير خبيران أميركيان في القانون الدولي، وسبق لأحدهما أن عمل في الأمم المتحدة، هما أستاذ القانون الدولي في جامعة بريستون، ريتشارد فولك، وأستاذة العلوم السياسية في جامعة ألينوي، فرجينيا تيلي. وهو يؤكد بوضوح أنّ إسرائيل أنشأت نظام تمييز عنصري "يفرض سيطرة وهيمنة ممنهجة على الشعب الفلسطيني"، ويضيف أنّ "النظام الإسرائيلي مُصمَّم لهذا الغرض بشكل جلي في مجموعة القوانين الإسرائيلية"، ويقرّ بأنّ "حجم الأدلة يدعم، بما لا يدع للشك مجالًا، أنّ إسرائيل مذنبةٌ بجريمة فرض نظام أبارتايد على الشعب الفلسطيني، ما يصل إلى حدّ ارتكاب جريمة ضد الإنسانية"، و"أنّ المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة ووكالاتها، والدول الأعضاء، ملزمة جميعها إلزامًا قانونيًا، وفق قدراتها، للحيلولة دون نشوء حالات الأبارتايد، ومعاقبة المسؤولين عن هذه الحالات"، وتشمل الإجراءات المقترحة على الدول كواجب جماعي "ألّا تعترف بشرعية نظام الأبارتايد، وألّا تقدّم معونةً له أو مساعدة، وأن تتعاون مع الأمم المتحدة والدول الأخرى للقضاء عليه". كما أنّ على مؤسسات المجتمع المدني والأفراد "واجباً أخلاقياً وسياسياً يُلزمهم باستخدام الأدوات المتاحة، لرفع درجة الوعي بهذا المشروع الإجرامي المتواصل". ولعلّ في هذه التوصيات، على شمولها، يكمن السرّ في الغضب الصهيوني الأميركي المُنصّب على التقرير.

انصاع الأمين العام لهذه الضغوط، ولم يقوَ على مقاومتها، فكان أن تنصّل من التقرير، وطلب من ريما خلف أن تبادر إلى سحبه. وهنا، جاء ردها صاعقًا، فهذه هي المرة الثانية في غضون شهرين، يُطلب منها سحب تقرير أعدّه خبراء مختصون، انصياعًا لضغوط صهيونية وأميركية، ورأت في ذلك ما يُهدّد قيم الأمم المتحدة ذاتها، والقيم الإنسانية المتعلقة بالحق والعدل والحرية، وشعرت أنّ من واجبها مواجهة طغيان القوة المستبدة، والانحياز لمعايير الحق والعدل. وقالت، في كتاب استقالتها، إنّها ترى "أنّ واجبها يقضي عليها ألّا تكتم شهادة حق عن جريمة ماثلة"، وأنّ قرارها لم يأتِ لكونها مسؤولة دولية، وإنّما جاء بصفتها "إنسانًا سويًا، أؤمن بالقيم الإنسانية السامية التي أُسست عليها منظمة الأمم المتحدة، وأؤمن أنّ التمييز ضدّ أي إنسانٍ على أساس الدين أو اللون أو العرق غير مقبول، ولا يمكن أن يقبل بفعل سلطان القوة، وأنّ قول الحق في وجه جائرٍ ليس حقًا فحسب، وإنّما واجب". كما تضمن كتاب استقالتها التأكيد على مسؤولية تلك الضغوط التي تُمارس على الأمم المتحدة عن الانتهاكات الصارخة بحق شعوب المنطقة وحقوق الإنسان، مستنكرة أنّ هنالك "نظام أبارتايد لا يزال قائمًا في القرن الحادي والعشرين"، وأنّ استنتاجات التقرير لا تشوبها أي شائبة.

أعادت استقالة ريما خلف إحياء التقرير الذي أرادت أميركا والصهيونية سحبه، واعتباره وكأنّه لم يكن، ومن شأن التقرير والاستقالة أن يُعطيا قوة دفع كبرى لحركات المقاطعة ولنضال الشعب الفلسطيني والأمة العربية وأحرار العالم في مواجهة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين. بل يصلح هذا التقرير تمامًا لأن يكون لائحة ادعاء تُقدّم إلى المحاكم الدولية، لمعاقبة الكيان الصهيوني وقادته، وإن لم تفعل السلطة الفلسطينية ذلك، ولا أظنّها تجرؤ عليه، فإنّ هذا واجب قائم على عاتق كل المنظمات الحقوقية الصديقة للشعب الفلسطيني.

ما تزال إرادة الصديقة ريما خلف شابة مفعمة بالحيوية والنشاط، تمامًا مثلما كانت خلال دراستها الجامعية ونشاطنا الطلابي في السبعينيات، قامت بفعل يعجز عنه كثيرون، ويحتاج إلى إرادة صلبة وحدس سليم، وسيُسجّل لها التاريخ أنّها كانت أول من أصدر تقريرًا دوليًا يضع إسرائيل على أول محطةٍ في سكة طويلة تُصنّف فيها إسرائيل دولة أبارتايد وتمييز عنصري، هذه السكة التي اختُصرت مسافاتها بفعل جرأة ريما خلف وشجاعتها. إنّها محطة كبرى وعلامة فارقة على طريق جعل الكيان الصهيوني يواجه مصيرًا مماثلًا لسلفه الجنوب أفريقي.

عن "العربي الجديد"