تصغير الخط تكبير الخط
الرسالة نت-محمد عطا الله

خاضت بريطانيا في القرن التاسع عشر حربا ضد الصين من أجل حماية تجارة الأفيون ووقف تدابير مكافحته؛ لإسقاط الصين في حرب سُميت بحرب الأفيون كانت هي السابقة الأولى من نوعها في الحروب التي غلب عليها طابع السلاح.

تلك الحرب كانت إحدى صفحات التاريخ الإنساني الرمادية التي اختلط بها بارود المدافع بدخان الأفيون، وفيها هب أسطول أكبر قوة بحرية على الأرض في تلك الحقبة لحماية هذا الصنف من المخدرات.

لم يتمكن جيش الصين الضخم وغير المؤهل والذي فاق تعداده آنذاك 880 ألف مقاتل من الصمود في وجه الأسطول البريطاني الأحدث تسليحا والأكثر خبرة في القتال؛ فاحتل البريطانيون مدينة "دينغ هاي" وبات أسطولهم على مقربة من بوابة بكين البحرية ما دفع الإمبراطور الصيني إلى توقيع اتفاقية مذلة مع المنتصرين في 19 أغسطس عام 1942 انتهت بموجبها حرب الأفيون الأولى.

إغراق غزة

وعلى هذا النحو يدفع الاحتلال "الإسرائيلي" بسمومه قطاع غزة إلى الهلاك عبر تهريب كميات كبيرة من المخدرات لإغراق القطاع بها، بعد فشله في الحروب العسكرية التي خاضها على مدار السنوات المنصرمة.

مؤخراً ضبطت شرطة مكافحة المخدرات كميات كبيرة وصلت لحد خطير جدا، مما يؤكد وجود مخطط لإغراق غزة بالمخدرات، لا سيما وأن ما ضبطته "المكافحة" بالقطاع من مواد مُخدّرة خلال شهر يناير الماضي، يساوي ما تم ضبطه خلال عام 2016 كاملاً، وفق الداخلية بغزة.

ويبدو أن الاحتلال وأعوانه لجأوا لتلك الطريقة على غرار حرب بريطانيا للصين؛ من أجل تدمير المجتمع الفلسطيني داخليا، بعد فشلهم في الحروب والحصار في السنوات الماضية.

وقد كشفت التحقيقات التي حصل عليها موقع "المجد الأمني" المقرب من المقاومة، في تقرير نشره في شهر مايو العام الماضي، أن عددا من مروجي المخدرات الذين ألقي القبض عليهم اعترفوا بأنهم كانوا يهدفون لإغراق قطاع غزة بالمخدرات بالتنسيق مع عدد من العملاء الهاربين إلى ((إسرائيل)).

ونوه إلى وجود خطة إسرائيلية مدروسة يتم من خلالها ضخ كميات كبيرة من المخدرات عبر العملاء الهاربين، بحيث تصل للقطاع عبر المعابر والحدود، كاشفاً النقاب عن إلقاء القبض على عميل كان يتلقى المخدرات عبر الحدود.

ويتواصل تجار المخدرات مع عدد من عملاء المخابرات الإسرائيلية "الشاباك" المتواجدين في المناطق المحاذية لقطاع غزة وخاصة في "سديروت" وبئر السبع، ويتم إدخال المخدرات إما عن طريق البحر أو الحدود مع الاحتلال أو الأنفاق مع مصر.

وتتنوع آفة المخدرات التي يجري تهريبها لغزة، ما بين الحبوب المهربة بمسمياتها المختلفة "السعادة، الترامدول، والروتانا، واللاركا"، إلى جانب ما يتم تهريبه وزراعته كالحشيش والأفيون والمرغانا، والكوك، والبانغو.

قانون جديد

ومن الواضح أن الأحكام المخففة التي اتبعتها وزارة الداخلية في قطاع غزة في الماضي لم تشكل رادعا لدى التجار الذين استمروا في بث سمومهم للمجتمع الفلسطيني، إلى الحد الذي وصل فيه بعضهم إلى تأمينهم مبالغ مالية قبل أي عملية تهريب وتكون جاهزة في حال القبض عليهم كي يدفعوها كفالة مالية مقابل الافراج عنهم.

وكان قانون المخدرات المصري رقم (19) لسنة 1962 هو القانون الساري المفعول بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بناءً على قرار مجلس الوزراء الفلسطيني صدر 2009م الذي استبدل القانون العسكري الإسرائيلي بشأن المخدرات رقم 437 لعام 1972 بالقانون المصري.

وعلى إثر ذلك، وفي ظل تزايد انتشار هذه الآفة، أصدر المجلس التشريعي عام 2013م، قانونا جديدا خاصًا لمكافحة المخدرات، خوّل بموجبه القضاة بإصدار أحكام مشددة، تصل عقوبتها للإعدام والمؤبدات، وبدأ تنفيذه عمليا منذ عامين تقريبًا، وصدرت عقوبات وصلت حتى 15 عامًا بحق أحد الجناة.

وعملا بهذا القانون أصدرت المحكمة العسكرية التابعة لهيئة القضاء العسكري في غزة، أمس الأحد، حُكمين بالإعدام بحق اثنين من المُدانين بتجارة وترويج المواد المخدرة، وآخرين بالأشغال الشاقة، بسابقة تعد الأولى من نوعها في القطاع.

وأوضحت المحكمة أن الحكم بالإعدام للمدان يأتي لمخالفته نص المادة (28 فقرة 1) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (7) سنة 2013 معطوفا على المادة (124) من نفس القانون، وأضافت المحكمة: "تم ضبط المدان على الحدود الجنوبية للقطاع وبحوزته 40 كرتونة مواد مخدرة من نوع أترامدول وبداخلها 3985 حبة بقصد الإتجار، وأكدت أن قيامه بهذا الفعل يشكل تهديدا للأمن القومي الفلسطيني بأبعاده الأمنية والاقتصادية".

أحكام رادعة

من ناحيته، أكد مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في الشرطة الفلسطينية بغزة، العقيد أحمد القدرة، أن المحكمة العسكرية التابعة لهيئة القضاء العسكري، ستصدر خلال الشهر القادم مزيد من الأحكام القاسية بحق عدد من تجار المخدرات.

وقال القدرة في حديث لـ "الرسالة نت":" إن المحكمة العسكرية في غزة ستصدر الشهر القادم أحكام قاسية جدا بحق تجار المخدرات خلال الشهر القادم؛ ستكون رادعة بحق هؤلاء التجار وكل من تسول له نفسه تهريب المخدرات إلى غزة".

وأضاف:" في أواخر شهر يناير العام الحالي تم إحالة ملفات كبرى لتجار المخدرات إلى القضاء العسكري، وهي أكثر خطورة وبكميات أكبر وأشخاص لهم سوابق خطيرة، من الذين تم محاكمتهم أمس وإصدار قرارات رادعة بحقهم".

وأكد العقيد القدرة أن الأحكام القضائية التي صدرت أمس بحق عدد من التجار كانت تعبر عن نبض الشارع وجاءت وفق القانون الفلسطيني 7 لعام 2013 الذي أقره المجلس التشريعي الفلسطيني بحق كبار تجار المخدرات.

واعتبر أن الأحكام التي صدرت ستمثل حالة من الردع لكبار التجار ومروجي المخدرات في غزة، مطالبا القضاء بإصدار أحكام رادعة وقاسية، بحق تجار المخدرات الذين يسعون إلى نشر السموم بين أبناء الشعب الفلسطيني.

وفي نهاية المطاف يمكن القول إن حرب الاحتلال على قطاع غزة لا تقتصر على الحرب العسكرية، بل تمتد لتصل إلى تجارة المخدرات وغيرها من الأمور السيئة، التي قد يكون وراءها دول تروج لها من أجل تحقيق مأربها ومكاسبها الثمينة حتى لو كان الثمن قتل وتدمير شعوب ضعيفة.