تصغير الخط تكبير الخط

 نعيش هذه الأيام الذكرى التاسعة والستين لضياع فلسطين وتشتت شعبها في بقاع الأرض، بما سمي بالنكبة لما كانت من آلام وتداعيات عانى منها كل فلسطيني عقود طويلة، لم يكن أحد يتخيل أنها ستمضي على هذه القضية، فالشعب الفلسطيني شعب حي متمسك بهويته وأرضه ثائر بطبعه يقدم التضحيات، قادر على الدفاع عن أرضه وحمايتها، إلا أن ضياع فلسطين كل هذه المدة الزمنية يطرح الكثير من الاستفهامات وعلامات التعجب.

فحينما خرج آباؤنا من أراضيهم ومدنهم وبيوتهم أبقوا أموالهم ومتاعهم وملابسهم وحليهم، ولم يأخذوا معهم إلا كوشان الأرض ومفتاح البيت، فخروجهم كان مؤقتا، ولو كانوا يعلمون استمرار تهجيرهم لعام واحد لفضلوا الموت في بيوتهم وبياراتهم وحقولهم.

وللأسف شاركت بعض جيوش الأنظمة العربية في إقناع الأهالي والبلدات للنزوح والخروج وترك البيوت، بحجة الدفاع وقتال العصابات الصهيونية، فصدقهم الفلسطيني ووثق بهم فانسحبت العائلات على أمل أن هزيمة العصابات الصهيونية وكسر شوكتها، فإذا بالجيوش تهزم وتخسر وتفر وتسلم فلسطين.

كان أهالي فلسطين يبيعون حلي زوجاتهم من اجل قطعة بارودة واحدة، يدافعون بها عن قريتهم، وكانت الجيوش العربية تجمع السلاح منهم وتعدهم أن تقاتل بالنيابة عنهم، فيستلموا السلاح ويبعدوا المقاتلين ثم ينسحبون من غير قتال.

كان يكفي للقيادة العربية أن تدعم المقاتلين الفلسطينيين بالسلاح والمال، أو لا تتدخل وتتركهم وشأنهم لكيلا تضيع فلسطين، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك، تدخلوا وخططوا واحتشدوا ثم سلموا البلاد بمنتهى السهولة.

تعود اليوم الكرة والفكرة مرة أخرى، وتلعب الأنظمة العربية نفس الدور السابق بالتواطؤ مع الاحتلال، فتقوم هذه الأنظمة بحصار شعبنا وقتاله ومعاداته، وتضغط عليه ليقوم بتسليم سلاحه والاستسلام لـ(إسرائيل)، كل النظم العربية تلوم شعبنا الفلسطيني في غزة لامتلاكه السلاح، ولإصراره على تصنيع الصواريخ وبناء الأنفاق، ويقنعوهم على تسليم كل ذلك، ولكن وعي شعبنا وخبرته الآن مختلفة لهذا لن تتكرر هذه النكبة طالما يمتلك شعبنا سلاحه وطالما يبني المجاهد نفقه.

راهن الاحتلال على ثني الفلسطيني وضياع هويته، فقال قادته: الكبار يموتون والصغار ينسون، إلا أن الأجيال الفلسطينية المتعاقبة أكثر تمسكا وارتباطا بأرضها، فقد هزمت الفكرة الصهيونية من أساسها، هزم مشروع الاحتلال في تذويب الفلسطيني وتشتيت هويته، فمع كل صاروخ يصنعه قسامي، ومع كل نفق يُبنى شرق القطاع، ومع كل سكين وحزام ناسف في الضفة الغربية، ومع كل مثقف وقلم وصوت في المثلث والجليل، ومع كل صوت ومفتاح في مخيمات لبنان وسوريا والأردن نقترب أكثر من القدس فاليوم هناك أكثر من ستة ملايين فلسطيني ما بين البحر والنهر، وهناك ملايين أخرى في الشتات، كل هؤلاء الفلسطينيين لن يجدوا منهم فلسطينيا واحدا ينسى حقه وأرضه، أو يفكر في نسيان فلسطين والتنازل عن حقه في العودة.