تصغير الخط تكبير الخط

رشا فرحات 

أذكر في الأيام الأولى لزواجي، أن أمي قدمت لي وصية مهمة، لكني لم أدرك أهميتها إلا بعد حين، قالت لي بالحرف الواحد: "تعلمي طبخ أمه، لا يوجد رجل يفضل أي طبخ على طبخ أمه، مهما كانت زوجته طباخة ماهرة".

 وحاولت بكل ما أوتيت من طرق أن أغير هذه النظرية ولكني لم استطع، بالرغم من تطور فن الطهي وتعلم الجيل الجديد من الزوجات لأكلات ألذ كثيرًا من تلك التي تطبخها الأمهات، ولكن تبقى ملوخية الحجة ومقلوبة الحجة، والبامية التي تقدحها بالحب قبل الجهد أشهى كثيرًا من البيتزا، والهمبرجر، والكوردن بلو والستيك، والبيف، والأسماء التي لا نفهم معناها في الأغلب، والتي دخلت إلى موائدنا بعد اتساع رقعة الاتصال بين الشرق والغرب.

وانا والله عزيزتي المرأة لا أخفيك، عجزت في البداية أن أقدم طبخة أفضل- من وجهة نظر زوجي طبعا- من تلك التي تطبخها أمه، فكلما وضعت امامه طنجرة الملوخية، يقول ملوخية أمي ألذ، وكلما طبخت له محشي يقول محشي أمي ألذ، طب وبعدين!

هنا سلمت، وعدت إلى وصية أمي، فانا حتى اللحظة عالق بذهني مذاق طعامها اللذيذ وأقول عنه أنه الذ طعام بالدنيا، وهو ليس الذ طعام بالدنيا، بل هو طبخ عادي، وكذلك طبخ حماتي، وكذلك أبي الذي تعود أن يأكل من أمي الذ الأطباق ولكنه كان يرى الخبيزة، والعدس، والكشك الذي كانت تصنعه جدتي في بيت المخيم الفقير الذ كثيراً من كل أطباق أمي.

 ولو اكل الأزواج جميعا في "الانتركونتيننتال" على يد أمهر الطهاة في العالم، فسيقولون أيضا: ملوخية الحجة، ومقلوبة الحجة، والبامية العجيبة التي تصنعها الحجة !

وللعلم يعود هذا الامر لعدة أسباب، أولها ان الأمهات في الغالب طبخهن صحي، وتقليدي، لا يعتمد على " النهفات" الحديثة في الطبخ، طبخ صحي بسيط، لا يوجد فيه أي فلسفة، ولا يعتمد أبدا على المواد الصناعية، فهي تستخدم البندورة ولا تستخدم الصلصة، وتضع الريحان فوق التقلاية، ولا تكثر من البهارات التي ليس لها أي لازمة، والتي انتشرت في الأسواق في الفترة الأخيرة، فلم يكن لدى امي بهارات للكاري، وللمشاوي، وللمحاشي، وأخرى للمسحب، وبهارات البرياني، والبيتزا، كانت علبة البهارات الوحيدة في خزانتها ترش منها رشة على جميع أنواع الاكل بدون أي فلسفة !

وسبب آخر لتفضيل الرجل لطعام امه هو انه يرى فيها المثالية: أمه لا تخطيء، أمه ست النساء، أمه أعظم امرأة في الكون، أمه جميلة الجميلات، أمه صاحبة اكبر قلب، وبالتالي سيكون طبيخ أمه أفضل كثيرا من طبيخ الشيف رمزي، فاكرينه؟! ولو حاولت مهما حاولت أن تكوني أعظم من أمه لن تكوني، فلا تضيعي وقتك في محاولات قد تدفع زوجك لعقوق أمه لإرضائك!

وفي النهاية عزيزتي المرأة لك أن تكوني احدى امرأتين، المرأة التي "تزن وتنق" وتحاول بشتى الطرق أن تضع نفسها في خيار ومقارنة دائمة مع أمه، ولن تكون هي الأفضل من وجهة نظره لو طلعت عينها، فلا داعي للمقارنات الغبية، وصدقي أن حبه لأمه ولكل ما تقوم به هو سبب بركتك وبركة بيتك وأبنائك.

ولك أن تكوني الثانية، وهي المرأة الحكيمة التي تقتنع بالنهاية في الوصية القائلة" تعلمي طبخ أمه" وتحاول قدر الإمكان أن تمتدح طبخها، وكل ما يخصها لأنها البوابة الأولى والأخيرة لنيل رضى وحب زوجها وهي أيضاً بوابة الجنة.