تصغير الخط تكبير الخط
عبد الوهاب الأفندي

في إطار الحرب القذرة، وغير المسبوقة، التي تشن هذه الأيام على قطر من أنظمة الثورة المضادة، برزت مسألة الدعم لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والدعم لجماعة الإخوان المسلمين (المصنفة منظمة إرهابية عند هذه الدول) باعتبارهما أهم مطلبين لتحالف الحملة على قطر. ولكن المتأمل بعمق في الأمر يكتشف أن هذه كذبة أخرى من إبداعات منظومة إعلام "ما بعد الحقيقة" التي تتولى هذه الحملة، فالمعروف أنه ليس في قطر منظمة علنية للإخوان المسلمين، بخلاف دول أخرى، بعضها على رأس التحالف، مثل البحرين، وأخرى حليفة مثل الكويت، لم نسمع من تحالف المعتدين أي ملاحظاتٍ عليها.

بل إن في مصر نفسها من المنظمات الإسلامية، من سلفية وإخوانية (مثل مجموعة أبو الفتوح) ما يفوق ما في دول الخليج كلها. كذلك فإن عدداً من الدول التي قطعت أو خفضت علاقاتها مع قطر تحت ضغوط معلومة، مثل الأردن وموريتانيا، فيها منظماتٌ إخوانيةٌ علنية تنشط في البرلمان وخارجه. وفي دول أخرى، وقفت على الحياد ولم تتعرض لهجوم أو نقد، مثل السودان وتونس والجزائر والمغرب، تشارك الجماعات الإسلامية في الحكم وفي البرلمانات.

وعليه، ليست قطر بأي حال من أكثر الدول العربية احتمالاً للإخوان المسلمين ودعماً لهم. وحتى فيما يتعلق باللاجئين السياسيين من منسوبي "الإخوان"، فإن عددهم في قطر لا يزيد كثيراً عن عددهم في دول أخرى، مثل بريطانيا وسويسرا وحتى أميركا. بل إن حجم التنظيمات الإسلامية في أوروبا أضخم بكثير مما هو في معظم دول الخليج، بما فيها قطر. فليست إذن مسألة الإخوان ودعمهم مسألةً على قدر كبير من الأهمية، حتى بين تحالف العدوان على قطر. وعليه، لا يمكن أن تكون هي السبب الذي دعوا به، وحشدوا له الأحزاب.

لم تكن قضية "حماس" أيضاً السبب، بل هي الذريعة والأداة. فقد كانت "حماس"، حين استضافها في مكة المكرمة العاهل السعودي، عبدالله بن عبد العزيز، في عام 2007 لترتيب اتفاقية مصالحة مع حركة فتح، أكثر تمسكاً بالخيار العسكري، ورفضاً لأي تسويةٍ منها اليوم. فهل استضافت المملكة عندها منظمات إرهابية؟ ثم كيف يصل قادة "حماس" إلى الدوحة، بدون المرور على عواصم منها القاهرة؟ ومعروفٌ أن هناك تنسيقاً وثيقاً بين الأجهزة الأمنية المصرية و"حماس"، وهو أوثق بكثير مما هو قائم بين الدوحة وغزة. فهل يعني هذا أن مصر تتعامل مع الإرهابيين وتدعمهم؟

كل هذا يؤكد أن "حماس" ليست مشكلة بالنسبة للجهات التي دبرت العدوان. قد تكون مشكلة بالنسبة لبعض "المتعاونين" معهم، مثل الفلسطيني محمد دحلان الطامح في خلافة محمود عباس، والذي يعترف بأنه يعمل موظفاً لدى المخابرات الإماراتية، كما جاء في كتاب نشر الصيف الماضي. إلا أن "حماس" هي وسيلة لاستقطاب دعم بنيامين نتنياهو، ومن ورائه دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للحملة على قطر، بتصوير أصحابها باعتبارهم الحريصين على أمن إسرائيل المهدّد من قطر، ويمثلون خط الدفاع الأول عن الدولة العبرية ضد "التطرّف". وكان نظام عبد الفتاح السيسي قد سبق بطلب الحظوة عند نتنياهو بإظهار نظامه صهيونياً أكثر من أفيغدور ليبرمان، وعدوانياً تجاه الفلسطينيين أكثر جماعة "دفع الثمن".

الغرض الثاني من إثارة قضية "حماس" دفع قطر إلى التماهي مع موقف الدول التي لا تستنكف عن حصار غزة، ولا تمانع في الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية"، أو دفع الجزية لنتنياهو. والغرض هزّ صدقية قطر ومكانتها، لأن مشكلتهم، كما أوضحنا، ليست "حماس" ولا "الإخوان"، وإنما مكانة قطر ونفوذها الأخلاقي والإعلامي. فعندما تعتبر هذه الدول الأربع، بما لها من إمكانات مادية وبشرية وتقنية، أن قطر الصغيرة حجماً تشكل تهديداً لأمن دولهم، فهذا يعني أن مشكلة هذه الدول هي العجز عن مجاراة قطر إعلامياً أو دبلوماسياً. فلدى هذه الدول قنواتها المنافسة، كما أنها اشترت بحرّ مالها ما تيسر من الأقلام والشاشات الغربية، واستعانت بإسرائيل على بعضها الآخر. ولكن ذلك كله لم يجعلها قادرة على منافسة قناة الجزيرة التي تصر الآن على إسكاتها. والغرض إهدار صدقية قطر، حتى تنحط إلى مستوى منافسيها فيكونون سواء. عندها يطمئنون أن قطر لن تصبح خطراً.

إلا أن الاستراتيجية التي اتبعت لتحقيق هذا الهدف تهزم ذاتها، ذلك أن استخدام الكذب الصراح والمفضوح من أجل ضرب صدقية الآخرين ليس بالقطع الوسيلة الأفضل لتحقيق الغاية. ويتعقد الأمر أكثر، إذا كانت وسائل الإعلام المستخدمة في هذه الحملة معلومةً بترويج الكذب والنفاق، وفاقدة ثقة المستمع، فترويجها أكاذيب أكثر فجاجةً لن يجعلها أسلحةً أمضى، خصوصا في هذا العصر الذي أصبح فيه كشف الكذب متاحاً بكبسة زر. فكلما أمعن الإعلام الموجّه في اختلاق الأكاذيب، اهتزت صدقيته، وانحطّت مكانته، ومكانة من اتخذوا هذا البيت العنكبوتي حصناً يلوذون به.

قبل هذا كله وبعده، فإن هذا شهر رمضان الكريم. ولا شك أن السماء سيكون لها رأي في عودة أيام مسيلمة، وتحول أرض الحرمين الشريفين إلى أحد أكبر مصادر ترويج الافتراءات، من هذا المكان، في هذا الشهر، وبهذه الصورة في إطار التعاون على الإثم والعدوان.

عن "العربي الجديد"