تصغير الخط تكبير الخط
غزة-شيماء مرزوق

يسير الاحتلال الإسرائيلي على خطى واضحة تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وثوابتها الوطنية والتي على رأسها حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وقد برز ذلك من خلال سلسلة قديمة جديدة من الإجراءات كان آخرها خلال الأسبوع الحالي بمطالبة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو بضرورة تفكيك وكالة "الأونروا"، ودمج أنشطتها وخدماتها مع أنشطة وخدمات المفوضية السامية العليا للاجئين.

مطالبة نتانياهو التي أثارت غضبًا فلسطينيًا ورفضًا عارمًا ليست عبثية وإنما تأتي ضمن سياق طويل ومتناغم للوصول إلى تصفية القضية الفلسطينية التي تعتبر قضية اللاجئين هي جوهرها.

ويبدو أن الحديث عما بات يعرف" بصفقة القرن" التي يعمل على إنضاجها الرئيس الأمريكي الجديد بالشراكة مع الأطراف العربية الحليفة له، فتح شهية قيادة الاحتلال الإسرائيلي نحو إنهاء الصراع والوصول الى تسوية وفق مقاساتها دون أي مراعاة لحقوق وثوابت الشعب الفلسطيني.

ويمكن القول إن الأونروا لطالما كانت في صلب المشاريع التصفوية خاصة أن وجودها مرتبط باستمرار ازمة اللاجئين الفلسطينيين، لذا فإن محاولات إنهائها أو تفكيكها برزت منذ فترة ليست بالبسيطة لكنها برزت بقوة عقب اتفاق أوسلو، ومع تصاعد مشاريع التسوية، حيث يرى الاحتلال أن وجود السلطة الفلسطينية والحديث عن خطة لإنهاء الصراع يستدعي تفكيك كل ما له دلالة على القضية الفلسطينية.

وقد أنشأت الوكالة بموجب القرار رقم "302" في الدورة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي انعقدت في 1949، والتي هدفت إلى التخفيف من الآثار الإنسانية التي نجمت عن اقتلاع ثلثي الشعب الفلسطيني وإبعادهم عن ديارهم، وقد كان قبول (إسرائيل) في عضوية هيئة الأمم المتحدة مرتبط بتسوية مشكلة اللاجئين.

وكانت صحيفة "هآرتس" قد كشفت في العام 2012 أن أعضاء في الكنيست الإسرائيلي يقفون وراء تعديل قانون دعم "الأونروا" في الكونغرس الأميركي الذي أقر تعديل قانون الدعم المالي الذي بموجبه تقدّم الخارجية الأميركية تقريرًا للكونغرس حول 5 مليون لاجئ فلسطيني، منهم من يتلقى المعونات من "الأونروا"، هم أبناء أو أحفاد للاجئين منذ عام 1948.

ويمكن رصد عدة إرهاصات لمساعي تفكيك الاونروا، بدأت بسلسلة التضييقيات التي جرت من خلال تقليص الدعم المالي المقدّم لها خلال السنوات الماضية، والتي أدت إلى تقليص كبير في الخدمات التي تقدمها الاونروا للاجئين الفلسطينيين، وليس انتهاء بممارسة ضغوط كبيرة على الأونروا سواء من الاحتلال الإسرائيلي او حتى الإدارة الأمريكية والدول الممولة لها لتقليص خدماتها في الدول الخمس، ما جعل الاونروا تهدد أكثر من مرة بأنها ستوقف خدماتها في حال استمرار العجز المالي.

وقد ارتبطت الضائقة المالية التي تعانيها الأونروا، بحجم الظروف الاقتصادية والسياسية التي تواجه المجتمع الدولي، سيما أن الوكالة ليست لها ميزانية مالية ثابتة من الأمم المتحدة، وإنما تعتمد في تمويلها على التبرعات من الدول، وهذا له انعكاسات سلبية واضحة على الدور التي تقوم به "الأونروا" في صفوف اللاجئين.

وتكمن الخطورة الحقيقة في مطالب تفكيك الأونروا في تزامنها مع الحديث عن تسوية سياسية وصفقة كبيرة، وعقب لقاء نتنياهو مع السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة "نيكي هيلي"، وعقب قيام حملات تحريض ممنهج من مجموعة من دول ومؤسسات استهدفت الأونروا وخدماتها؛ بذريعة تحريضها على "العنف والإرهاب" ضد (إسرائيل)، والتزام الأونروا ببرنامج الحياد. إلى جانب تسريع وتيرة الاستيطان والاعلان عن عدة مشاريع جديدة، وقطع مخصصات عائلات الأسرى والشهداء والتحريض على تنفيذ عقوبات جماعية ضدهم، فيما يبدو انه يأتي ضمن خطة معدة مسبقاً ومرسومة بدقة لتمهيد الطريق أمام أي اتفاق قادم.

ومن الواضح أن تزامن كل هذه الاحداث سيكون له ما بعده، خاصة بعد سلسلة التضييقات التي جرت بحق الفلسطينيين خاصة في قطاع غزة بهدف إخضاعهم من خلال قطع الرواتب والكهرباء وإمدادات الدواء والخدمات الصحية ووقف مخصصات الشهداء والأسرى، ما ينذر بأن الخطوة القادمة قد تكون باتجاه الاونروا نحو المزيد من الخنق والضغط للقبول بأي تسوية قادمة.