تصغير الخط تكبير الخط
فايز أيوب الشيخ

 

لم يعد لنواب حركة فتح أي حصانة تُذكر في الضفة الغربية، ولاسيما الموالين للمفصول من الحركة محمد دحلان، وهو نفس الكأس الذي ذاقه نظراؤهم من نواب الشعب الفلسطيني من الفصائل الأخرى، وخاصة نواب حركة حماس، فضلاً عن تعطيل عمل المجلس التشريعي لنحو عشرة أعوام.

ولم تقتصر إجراءات "سلطة رام الله" على تجميد رواتب عدد كبير من نواب الفصائل الفلسطينية وآخرهم سبعة نواب من كتلة فتح البرلمانية، فقد تعدى ذلك حد اقتحام المكاتب الخاصة بهؤلاء النواب والاعتداء عليهم وعلى العاملين فيها بشكل فظ وعنيف.

تفاصيل موثقة

ومن جملة تفاصيل ما جرى، فقد اقتحم عناصر جهاز الأمن الوقائي التابع لسلطة رام الله، مكتب نواب فتح من غزة الكائن في رام الله وقاموا بالعبث في محتوياته ومن ثم مصادرتها، كما قاموا باحتجاز عدد من العاملين والموظفين فيه، إضافة لاحتجازهم عدد من النواب عرف منهم النائب علاء ياغي.

ورغم أن ممتلكات النواب ومكاتبهم وسياراتهم وكل أملاكهم المنقولة هي محمية بقانون، ولا يجوز التفتيش فيها وفق المادة 53 من القانون الأساسي المعدل، إلا أنها ليست المرة الأولى التي تقوم فيه أجهزة السلطة بالضفة باقتحام مكاتب النواب أو التعرض لسيارتهم وكأنها رسالة إصرار من السلطة التنفيذية تتغول فيها على السلطة التشريعية.

ويأتي هذا الاعتداء على مكاتب النواب بعد يوم من تصديرهم بيان طالبوا فيه بعقد جلسة طارئة للمجلس التشريعي للتصدي لتغول السلطة التنفيذية واعتدائها المتلاحق على النظام والقانون.

بدورها، استهجنت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) بشدة اقتحام مكتب نواب قطاع غزة في مدنية رام الله، مؤكدة أن الحصانة التي يتمتع بها النواب مكفولة دستورياً ووفق قانون واجبات وحقوق أعضاء المجلس التشريعي، والتي تحظر بموجبها التعرض لهم بأي شكل من الأشكال، طيلة مدة الحصانة. وحثت الاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية على أهمية استخدام كل وسائل الضغط على الرئيس محمود عباس لوقف اجراءاته بحق النواب واعضاء المجلس التشريعي بما في ذلك سحب قراراته كافة المتعلقة.

فتح بين النفي والإدانة

ورغم كل الوقائع والشواهد الموثقة التي سردها نواب من فتح وجهات أخرى لعملية الاقتحام والاعتداء على مكتب نواب حركة فتح، إلا أن الأخيرة نفت على لسان القيادي فيها يحيى رباح، علمها بأي اقتحامات أو اعتداءات على النواب ومكاتبهم والعاملين فيها، مشيراً إلى أنه طالع الصحف الرسمية الصادرة في رام الله ولم يجد فيها أي أخبار متعلقة بهذه الإجراءات!

ورفض رباح في حديثه لـ"الرسالة نت" التعليق على ما قال إنها "روايات مفبركة وفرضيات لا أصل لها في الأخبار"، ولكنه دافع -في نفس الوقت- عن جهاز الأمن الوقائي الذي قام بعملية الاقتحام قائلاً " معروف أن الوقائي جهاز دقيق ولا يقوم بمثل هذه الأعمال، ولا يستطيع أن يقوم بأي شئ خارج القانون، فضلاً عن أن كل الأجهزة في الضفة تعمل بانضباط وفق القانون وغير مسموح لها مخالفته"، على حد زعمه.

غير أن القيادي في حركة فتح رأفت عليان، أدان ما قامت به أجهزة أمن السلطة من اقتحام لمكتب نواب كتلة فتح البرلمانية ومصادرة محتوياته، مؤكداً أن مثل هذه التجاوزات وتعدي السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية بهذه الطريقة ينذر بفوضى دستورية قادمة على الساحة الفلسطينية.

ودعا عليان في تصريح خص به "الرسالة نت" نواب حركة فتح والكتل البرلمانية إلى ضرورة تحمل مسؤوليتهم من خلال رفض مثل هذه التجاوزات والتي تمس بكل فلسطيني وفلسطينية، مؤكداً أننا وفي هذه المرحلة الحساسة التي ندعو بها إلى احترام القانون وتكريسه تقوم الأجهزة الأمنية بتجاوزه واختراق كل القوانين التي تكفل لنواب حصانتهم دون أي سبب يذكر.

وقال عليان:" إن الاعتداء على نوابنا الفلسطينيين سواء برفع الحصانات أو قطع الرواتب أو منع من السفر أو اقتحام مكاتبهم، يؤكد أن حالة الفوضى التي تعيشها القيادة الفلسطينية متصاعدة بشكل خطير"، مطالباً اللجنة المركزية والمجلس الثوري وكتلة فتح البرلمانية بضرورة تحمل مسؤوليتهم تجاه هذه الخروقات التي تشكل خطرا كبيرا على النظام الفلسطيني وعلى مستقبل منظومة قيام دولة فلسطينية.

وكمن سبقه، فقد اعتبر النائب الفتحاوي ماجد أبو شمالة، الاعتداء "إرهابا واستمرارا لتغول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، محملاً في تصريح له رئيس السلطة ومدير جهاز الأمن الوقائي بالضفة الغربية زياد هب الريح، المسؤولية الكاملة عن اقتحام مكتب النواب، مؤكداً أن الحقوق لا تسقط بالتقادم.

وأضاف أبو شمالة أن مثل هذه الممارسات من الأجهزة الأمنية ما هي إلا رسائل الغرض منها، أنه لم يعد هناك سلطة لأي مؤسسة أو قانون إلا سلطة رئيس السلطة، فلم يعد هناك سلطة تشريعية ولا سلطة قضائية وفقط يوجد الرئيس، ولم يعد هناك منظمة التحرير فقط يوجد رئيس اللجنة التنفيذية محمود عباس، ولم يعد هناك فتح وفقط هناك أبو مازن".

استهداف مع كل حراك سياسي

وفي قراءة تحليلية لإجراءات السلطة الأخيرة، فقد ذكر الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل لـ "الرسالة" أن السلطة في رام الله تستهدف كل شئ يتعلق بدحلان أو محسوب عليه سواء في الضفة أو غزة، مشيراً إلى أن الإجراءات التي اتخذت بحق خمسة من نواب من فتح بحجة أنهم موالين لدحلان ورفع الحصانة عنهم مؤخراً.

وكان عباس قد أصدر مؤخراً قراراً برفع الحصانة البرلمانية عن خمس نواب من كتلة فتح البرلمانية في المجلس التشريعي وهم (محمد دحلان، نجاة أبو بكر، ناصر جمعة، جمال طيراوي، شامي الشامي) على خلفية التورط بـ "اختلاس أموال وتجارة الأسلحة"، الأمر الذي رفضه النواب المرفوع عنهم الحصانة البرلمانية.

وتوقع عوكل أن يكون اقتحام مكتب نواب فتح في الضفة بالتزامن مع أي حراك سياسي من النوع الذي يجري الحديث عنه الآن في القاهرة من لقاءات فتحاوية مع وفد حركة حماس ومع المصريين، لافتاً إلى أنه بالرغم من أنه ليس لأحد معرفة أو ثقة بالشيء الذي دار في القاهرة، ولكن من المؤكد أن هذا الحراك يُشعل حالة استفزاز وردود فعل من قبل السلطة تجاه "جماعة دحلان".

وتطرق عوكل إلى الصراع الفتحاوي الدائر حالياً بين عباس ودحلان، واصفاً إياه "صراع تنظيمي وسياسي وشخصي"، وقال" إن المخاوف ليس من دور لدحلان في غزة أو الضفة، لكن من الواضح أن هذا الصراع عميق رغم أنه ليس له مبررات، ويبدو أن البعد الشخصي طغى فيه على كل شئ". وأضاف "بالمقابل دحلان عنده جهد إقليمي مبني على علاقات إقليمية، ومن الواضح أن مؤثر وخاصة مع مصر والإمارات، ومن الطبيعي ألا يرتاح عباس من هذا الجهد والعلاقات"، على حد تعبيره.