تصغير الخط تكبير الخط
غزة-شيماء مرزوق

وجهان متناقضان تحملهما، ما بين غاباتها وشمسها الساطعة مدينة، وما بين سواد الفحم الذي تشتهر به مدينة أخرى، الجبال والأشجار التي تحيط بها تعكس الوجه الهادئ لها، بينما الفعاليات النشطة ووعي أبنائها يظهر وجهها المتمرد.

كما حولت من غاباتها وأشجارها الكثيفة إلى فحم شكل مصدر رزق أساس لسكانها وهو ما جعلها تحمل اسم أم الفحم، حيث شكل أبنائها شوكة في حلق الاحتلال خاصة أنها صمدت أمام كل محاولات التدجين والتهويد وحافظت على هويتها الوطنية الفلسطينية ما جعل الاحتلال يعتبرها المدينة العربيَّة الأكثرُ تمرداً.

أم الفحم التي تعتبر مدينة جبلية هي امتدادا لسلسلة جبال نابلس التي تمتد شمالا حتى مرج ابن عامر، ومن الجنوب حتى جبال القدس، وهي مكونة من العديد من المرتفعات والتلال المحيطة بالبلدة من كل جوانبها أشهرها جبل إسكندر.

أم الفحم وقعت تحت سيطرة الاحتلال في العام 1949 بموجب اتفاقية الهدنة مع الأردن أو ما يعرف باتفاقية رودوس, حيث دخلتها قوات الاحتلال في شهر مايو من ذات العام, رغم أن جميع سكانها لم يهاجروا منها, إلا أنها تعتبر مخيم كبير للاجئين فغالبية اهلها اليوم ينحدرون الى القرى الفلسطينية التي هجرت في سنة 1948 واغلبهم تعود اصولهم الى قرية اللجون المجاورة لها.

وتطور عدد سكان المدينة من حوالي 5500 نسمة عام 1945 إلى ما يزيد على 52 ألفا عام 2015، ومن أبرز عائلاتها: اغبارية ومحاجنة ومحاميد وجبارين وهي العائلة التي خرج منها الشبان الثلاثة منفذي عملية اشتباك الأقصى يوم الجمعة الماضي والتي على إثرها جرى اغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ 50 عاماً.

وتعتبر المدينة التي يطلق عليها أيضاً أم النور عاصمة الداخل المحتل ومصدرة للثوار فهي تحتضن بشكل أساسي نشاط الحركة الإسلامية بالداخل الفلسطيني المحتل، ومنها ينحدر رئيس الحركة الإسلامية الشيخ رائد صلاح.

كما كان للمدينة نشاط واضح خلال انتفاضة القدس حيث نفذ أبنائها ثلاثة عمليات فدائية خلال الانتفاضة تعتبر من أقوى العمليات وهم علاء زيود منذ عملية الدهس في الخضيرة التي أدت لإصابة جندية بجراح خطرة، وثلاثة بجراح متوسطة, ونشأت ملحم الذي نفذ عملية إطلاق نار وسط تل أبيب، أسفر عن مقتل شخصين وإصابة سبعة آخرين, وأخرها عملية أبناء جبارين التي أسفرت عن مقتل جنديين.

ولأم الفحم مع الشيخ عزّ الدّين القسّام قصة شهيرة ففي العام 1935م فوجئ أهالي أُمّ الفحم بمقتل الشيخ القسّام على مقربةٍ من بلدِهم في جبالِ يعبُد، ورأوا لأوّلِ مرّة طائرةً تُحلّق فوق أُمّ الفحم، فخرج شيوخها وشبابها وأطفالها مُندهشين ينظرون إليها ولم يعلموا أنّها كانت تُحلّق لإعطاءِ الاشارة للجُنودِ للتقدُّم نحو مكان الشيخ.

كما تعتبر من أول المدن الفلسطينية التي تشكل لديها وعي سياسي بالقضية الفلسطينية فعندما عمت الاحتجاجات والاضطرابات المُدنِ الفلسطينيّة الكُبرى أثر إحتلال بريطانيا لفلسطين؛ لم تشترك القُرى فيها بسببِ بُعدِهم عن السياسة.

ويحسب لأم الفحم انها رفضت فكرة تشكيل مجلس تشريعي فلسطيني ففي أواخرِ 1922م بدأت السّياسة تدخلُ أُمّ الفحم عندما أصدرت الحُكومة مرسومًا بتشكيلِ مجلس تشريعي بفلسطين، فأخذ زُعماء فلسطين يتنافسون على المقاعدِ الّتي خُصّصت للعرب وهي عشرة مقاعد، فرشّح أحد زُعماء أُمّ الفحم نفسهُ وهو حسن السعد وقد ساعدهُ في هذا الترشيح صديقان لهُ هُما حمدان الحج أحمد من باقة ومُصطفى أحمد قاسم من رُمّانة، حيثُ كان لهما نُفوذ في المنطقة.

وقد أخذ حسن السعد يزور مُؤيّديه في أُمِّ الفحم، وأصبحت قضيّة المجلس التشريعي الشُّغل الشَّاغل في أُمِّ الفحم فأخذوا يتناقشون حول الموضوع حتى توصلوا لاتفاق برفض الفكرة وكانت هذه أوّل صحوة سياسيّة في أُمِّ الفحم.