تصغير الخط تكبير الخط
الجزيرة نت

قوة ونفوذ اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة ليست بسبب الدين أو العرق، ولكن بأجندته وتصميمه على مراقبة واضطهاد ومعاقبة ونبذ كل من ينتقد إسرائيل أو يدافع عن الفلسطينيين.

وعبر مقدمة بقلم ريتشارد فالك مقرر الأمم المتحدة الخاص لفلسطين المحتلة (2008-2014) و14 فصلا؛ يقدم المؤلفان ويليام روبينسون ومريام غريفين شهادات -بأيدي أصحابها- حول حملات المضايقة والقمع لإسكات أصوات كل منتقدي إسرائيل حتى ولو كانوا يهودا.

اغتيال معنوي

يفتتح الكتاب وثائقه بشهادة لديفد غولدبرغ وساري المقدسي الأستاذين الجامعيين بكاليفورنيا، في مقالة نشرتها عام 2009 مجلة "تيكون" (Tikkun) وهي مجلة يهودية يسارية؛ يشرحان فيها طريقة عمل اللوبي اليهودي في جامعات الولايات المتحدة، عبر تحالف يعتمد تكتيكات الاغتيالات المعنوية، والاختلاس الانتقائي، والتشويه المتعمد، ونسج الأكاذيب والتجاهل التام للحقيقة.

ورغم أن النقد مباح لدول كالسودان والصين وكوريا الشمالية في انتهاكهم لحقوق الإنسان؛ فإن تهمة "معاداة السامية" حاضرة باستمرار وسيفها مصلت فوق رؤوس منتقدي إسرائيل.

في الفصل الثاني شهادة البروفيسورة اليهودية تيري جينسبرغ، أستاذة الدراسات السينمائية التي أجبرت عام 2008 على الاستقالة من منصبها في جامعة ولاية كارولينا الشمالية، بسبب تصويرها لأفلام تنتقد إسرائيل وسياستها في فلسطين.

كانت تيري تتمتع بالشعبية في مجال الدراسات السينمائية، لكن بعد أن بدأت في نقدها العلني لمعاملة إسرائيل للفلسطينيين، وأيضاً نقدها للتحالف الأميركي الإسرائيلي وللصهيونية داخل وخارج الفصول الدراسية؛ واجهت انتقاما فوريا من إدارة الجامعة بدأ 2008 بالعزل الجزئي من العمل وعدم تجديد عقدها مع الجامعة، وغيرها من العقوبات الأكاديمية التي تعوق مسيرتها العلمية.

الشهادتان الثالثة والرابعة تدوران حول الحرب على غزة أيضا، الثالثة لويليام روبينسون أستاذ علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا. ففي 2009 أرسل ويليام إلى طلابه قراءات اختيارية حول انتقادات لهذه الحرب، وعلى مدى ستة أشهر عانى من اتهامات علنية وجهها له اللوبي الإسرائيلي، فأبرزت مدى تواطؤ أعضاء من هيئة التدريس في الجامعة مع اللوبي في حملته غير القانونية ضده.

وفي الشهادة الرابعة يتحدث طاهر حرز الله وأسامة شبايك عن محاولة بعض الطلاب المسلمين من جامعة كاليفورنيا في إيرفين الاحتجاجَ ضد الحرب على غزة، في تجمع يتحدث فيه السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة مايكل أورين، الذي لعب دورا محوريا في إضفاء الشرعية على العدوان العسكري الإسرائيلي الوحشي على غزة.

اقتصر فعل الطلاب على الصياح والاحتجاج السلمي لنصف دقيقة فقط، لكنها كانت كافية لتدمر حياتهم وحيوات عائلاتهم وأصدقائهم. إذ ألقي القبض على الطلاب بمجرد خروجهم من المكان، وأقيمت ضدهم دعوى جنائية عُرفت بـ"إيرفين 11"، وحكم عليهم بوضعهم تحت مراقبة الشرطة مدة ثلاث سنوات بتهمة عرقلة خطاب أورين، هذا عدا مظاهر العداء والكراهية التي طالتهم طوال فترة المحاكمة وبعدها.

قمع منظَّم

في الفصل الخامس كانت شهادة الدكتور كريستوفر بيترسن، الذي ألغت جامعة بروكلين تعيينه لتدريس مقرر حول السياسة في الشرق الأوسط، بعد أن اشتكى دوف هيكيند عضو مجلس ولاية نيويورك من انتقاد بيترسن لإسرائيل.

وقد انصب اعتراض هيكيند على أن بيترسن كان يعمل مع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، واتهمه أيضا بدعم الانتحاريين الفلسطينيين. والمفارقة أن هيكيند نفسه كان عضواً سابقاً في رابطة الدفاع اليهودية، وهي منظمة وصفها مكتب التحقيقات الفدرالي بأنها جماعة يمينية إرهابية متطرفة.

في الفصل السادس؛ تقول البروفيسورة رباب عبد الهادي أستاذة الدراسات العرقية والإثنية ودراسات المقاومة في جامعة ولاية سان فرانسيسكو، إنها نظمت مطلع 2014 مبادرة في الحرم الجامعي لمناقشة نتائج رحلة بحثية قامت بها لفلسطين والأردن.

لكنها فوجئت باتهام من مجموعة صهيونية تدعى "مبادرة أمتشا" (AMCHA Initiative) بأنها اجتمعت في رحلتها مع إرهابيين معروفين، وأنها تشكل تهديدا لسلامة الطلاب اليهود وتسهم في خلق بيئة معادية لهم. وواجهت رباب عاما كاملا من المضايقات والترهيب من اللوبي الإسرائيلي.

الشهادة السابعة بقلم البروفيسور ديفد شورتر أستاذ ونائب رئيس قسم الفنون والثقافات العالمية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، حول قيامه بتدريس دورة في النظرات القبلية للعالم.

ركز شورتر على استخدام الشعوب الأصلية لوسائل الإعلام لتأكيد مزاعم السيادة، وأدرج على الموقع الخاص بالدورة العديد من المصادر التي تساعد الطلاب في استكمال مشروعهم، منها رابط لصفحة على الإنترنت تدعم الحملة الأميركية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل.

هذا الأمر جعل شورتر هدفا لتحقيقات مستمرة من قبل الجامعة، واضطهاد وانتهاك علني لكل برتوكولات الحرية الأكاديمية والسياسات الداخلية لجامعة كاليفورنيا.

وقبل أن تنطلق الورشة؛ تحرك اللوبي الإسرائيلي زاعما أنها غير شرعية، وأطلق وابلاً من الحيل القذرة ضد منظمتها بيرسيس كريم، تهدف إلى إلحاق الضرر بسمعتها، وضغط على الجامعة لإلغاء ورشة العمل ومعاقبة منظميها.

يروي الكتاب في الفصل التاسع كيف كانت جامعة كولومبيا في نيويورك هدفا لهجمات مستمرة من اللوبي الإسرائيلي، ضد العديد من أعضاء هيئة التدريس في برنامج دراسات الشرق الأوسط. جوزيف مسعد وراشد الخالدي وإدوارد سعيد؛ أكاديميون فلسطينيون بارزون في البرنامج، وانضمت إليهم فيما بعد البروفيسورة نادية أبو الحاج، حيث واجهوا جميعاً مضايقات متواصلة.

في نهاية الكتاب؛ تتأكد رسالته عبر كل الشهادات التي وردت فيه، وهي أن الشهود يقصدون فضح الاضطهاد الأكاديمي ومحاولات إخراس كل صوت ينادي بحرية فلسطين في الولايات المتحدة، ومقاومة محاولات قمع الفكر ومقاومة الظلم. وأن المؤلفين استلهما حركة "الوردة البيضاء" التي قادها طلاب جامعة ميونيخ ضد النازية في أوج قوتها، مرددين "لن نصمت. وبدون تحقق العدالة للجميع؛ فلن نترككم في سلام".