تصغير الخط تكبير الخط
مصطفى الصواف

أن تنقل الخبر بشكل مهني يظهر الحقيقة من كل جوانبها بعيدا عن تأثيرات أجهزة القمع والرقابة الحديدية التي لا تسمح بنقل إلا ما يراه الحاكم أو المسئول أو من يحمل مقص الرقيب، يصبح هذا الإعلام داعما للإرهاب، ويجب أن يحارب، ويمنع من العمل، ويحجب من مجال البث بتلك الدول، ويحرم الجمهور من مشاهدة هذا الاعلام وقد يقدم المشاهد للمحاكمة لو تم ضبطه يشاهد تلك القنوات الممنوعة بتهمة مشاهدة إعلام ارهابي قد يحاكم المتهم عليه بتهمة تمويل أو تشجيع الارهاب.

هل باتت الحقيقة والحديث عنها وكشفها للجمهور إرهابا؟ هل مخالفة الاعلام الرسمي العربي إرهابا؟ هل كشف جرائم الاحتلال الصهيوني إرهابا؟، هل إبداء الرأي والرأي الآخر إرهابا؟ هل كشف الفساد والفاسدين والمفرطين والمنبطحين إرهابا؟ هل الدفاع عن حقوق الناس ودعمها إعلاميا إرهاب؟، هل إعلام المقاومة إرهاب؟

ما تتعرض له قناة الجزيرة اليوم ليس جديدا، أذكر ذات يوم منذ عشرين عاما كنت في ندوة إعلامية حول دور الاعلام ودور قناة الجزيرة حيث لم يكن لها على الهواء إلا قليل، تحولت هذه الندوة إلى هجوم لاذع من بعض الصحفيين الفلسطينيين ممن كانوا يحتلون نقابة الصحفيين حتى وصل بهم الأمر إلى اتهام قناة الجزيرة بالعمالة وأن أحد الصهاينة (وكيل وزارة الخارجية) هو شريك تبلغ مساهمته ثلث رأس المال، كل ذلك بلا دليل ونوع من الكيد كون القناة لم تكن على مزاجهم ولم تكن تميل لروايتهم لم تكن داعمة للسلطة الوليدة في ذلك الوقت.

واليوم هل هذا العداء للجزيرة من قبل أنظمة عربية لا تريد أن يشاهد الناس الحقيقة كما هي دون تلوين أو تحوير، ويعتبرون الجزيرة محرضة وداعمة للإرهاب حتى وصل الأمر إلى منعها ومحاربتها واتهامها بدعم الإرهاب في تلك البلدان، والحقيقة التي نراها ونشاهدها ليست كذلك، ولكن مع ظهور الجزيرة بات الناس يرون إعلاما مختلفا عما كانوا يرونه في السابق من إعلام الرئيس ذهب والرئيس عاد والملك فعل والملك قال، والأمير افتتح والامير استقبل، هكذا كان الإعلام العربي قبل ظهور الجزيرة الامر الذي اقلق هذه الانظمة التي لا تريد لجمهورها إلا مشاهدة ما يريده النظام الأمر الذي جعل المشاهد العربي ينكب أينما حل على قناة الجزيرة، مما جعل هذه النظم تعمل على إحداث تغيير في نظامها الاعلام حتى لا يبتعد المواطن عن إعلامها مما أحدث شيء من التغيير، والفضل يعود لقناة الجزيرة.

اليوم يدخل الاحتلال الصهيوني على الخط ويريد أن يمنع الجزيرة من العمل في الساحة الفلسطينية سواء الضفة الغربية أو فلسطين المحتلة مستندين على موقف دول حصار قطر تجاه الجزيرة، متهمين في نفس الوقت الجزيرة بالتحريض الذي ساهم في اشعال الغضب الفلسطيني والعربي الشعبي ضد الاحتلال في القدس، هذا الموقف المتزامن من دول الحصار لقطر والاحتلال الصهيوني ليس وليد الصدفة؛ ولكن ناتج عن تعاون وتفاهم بين هذه الدول والاحتلال الصهيوني وإن كان شكلا الاحتلال يحتكم لقانون لا يحتكم إلية النظام العربي؛ ولكن في نفس الوقت الاحتلال لديه القدرة على تطويع القانون بما يخدم مصالحه فهو لا يختلف عن النظام العربي.

فناة الجزيرة وعلينا أن نعترف سواء كنا محبين لها أو كارهين أنها نقلت الإعلام العربي نقله نوعية وخلقت حالة من التفاعل الاعلامي والسياسي لم تستطع دول عربية منافستها رغم أنها حاولت وأنفقت مليارات الدولارات ولكنها فشلت لأنها كانت حبيسة سياسات الانظمة التي تخدم وجهة نظرها.

نعم لا يوجد إعلام محايد في كل الدول ولكن هناك إعلام مهني موضوعي وهذا ما يمكن أن يطلق على قناة الجزيرة، قناة الجزيرة دافعت عن قضايا الأمة العربية والإسلامية وإن خالفت في موقفها بعض النظم مما أثار حفيظتها وكشف خداعها لشعوبها وتضليلها لهم.

نحن نعيش في عالم متطور وبتقنيات كبيرة يصعب على أنظمة الدول محاربتها أو الحد منها، كون هذه التطورات العلمية والتكنولوجية يصعب معها حجب وسائل الاعلام وكل جهد في هذا المجال لن يجدي نفعا.

وهنا نقول لمن يرى في الجزيرة أنها قناة تحريضية وتدعم الارهاب مواجهتها ليس بمحاربتها ومنعها أو منع المواطنين من مشاهدتها، ولكن لمن يريد الحد من إقناعها وتأثيرها على الجمهور العربي أن يواجه الجزيرة بالحجة وبالحقيقة وأن يعترف بحرية التعبير وإبداء الرد حتى لو كان مخالفا لرأي النظام، هكذا يمكن الحد من تأثير قناة الجزيرة ولكن طريقة المعالجة اليوم تجعل الناس أكثر شغفا ومشاهدة وتصديقا لقناة الجزيرة.