تصغير الخط تكبير الخط
بقلم: محمد إسماعيل ياسين

تمهّل هداك الله، وامنح نفسك فرصة، وأعِد حساباتك جيدًا، قِف وفكِّر مليًّا قبل مُضيِّك نحو وضعِ حدٍّ لحياتك، ولا تحسب ظروفك الصعبة وأوضاعك القاسية مبررًا للإقدام على هكذا خطوة، بل على النقيض من ذلك تمامًا، فغيرُك الكثير مرّوا بتجارب أقسى وظروف أصعب لكنهم واجهوها بثبات وشجاعة، واعتبروها فرصًا ثمينة لشحذ الهمم كون المحن تصنع الرجال، والابتلاءات باختلاف أشكالها ما هي إلا هدايا ربانية، فمن صبر ظفر، ومن عجز خاب وخسر، وأي خسران هذا، حين تخسر الدنيا والآخرة بخطوة مجنونة لا يقرّها ولا يقبلها عقل ولا شرع.

ومهما أظلمت في وجهك الحياة، وتعثرت أمامك الدروب، وبلغت من اليأس والإحباط ما بلغت، فلا تُقبِل على الانتحار، واستحضِر أجرَ الصبر فهو شطرُ الإيمان، واستشعر جمال الآية: "إن الله مع الصابرين"، بل اظفر بروعة الحب الإلهي، فـالله "يحب الصابرين"، فكيف تجزع من قدرك في الحياة والرحمن يبشرك بأن مع العسر يسرًا ؟!، ألا تعلم أن الحياة دار ابتلاء واختبار وتمحيص ؟!، وأن النجاح كل النجاح في اجتياز اختباراتها القاسية بسلاح الإيمان بخيرية أقدار الله، ألم تسمع رسولك الكريم حين تعجّب من أمر المؤمن قائلًا: "إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر؛ فكان خيرًا له".

عُد إلى رشدك يرعاكَ الله، وتبصّر في جمال الكون الفسيح، واشحن نفسك بالأمل والعزيمة والإصرار، واعلم أن مَن دبّر أمر الكون بكواكبه وبحاره وأنهاره لا يعجزه أمرُك، أتظن أن الهروب من المشكلة حل؟!، أو أن الانتحار راحة؟!، ألا تعرف أن هناك مَن هُم أشدّ منك فقرًا ومرضًا وتعبًا وكربًا، ومع ذلك؛ فالأمل بغد أفضل رفيقُهم، والتفاؤل بفرج الرحمن طريقُهم، فإيّاك والظنّ بأن الحال يبقى على ما هو عليه، فبقاء الحال من المحال، وانظُر لمن حولك وتبصر في أحوال الناس، إذ لا يخلو إنسان من ساعة عسر، ولا ينجو بشر من لحظة كرب، ولا مفرّ من يوم حزن، فتلك سُنّة ربانية في مداولة الأيام بين الناس، ووَطِّن نفسك تمامًا أنك ستأخذ نصيبك من ذلك، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط والعياذ بالله.

ويكفيك أن تتفكر في هوان الدنيا عند الله، وأن السلامة فيها ترك ما فيها، فلا تبتئس بمصائب الدنيا، ولا تحزن من كروبها، وتحلَّ بالرضا، وأيقِن أن كل أقدار الرحمن خير حتى وإن لم تدرك ذلك، فالله يعلم وأنت لا تعلم، وانظُر إلى خرق السفينة وفي ذلك عين الهلاك لمن فيها، لكن النجاة كل النجاة كانت في ذلك، إذ كانت لمساكين يعملون في البحر وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، وكذا الحال مع النبي يوسف عليه الصلاة والسلام حين كاد له إخوته، لا لذنبٍ اقترفه، بل لأنه أحبُّ إلى أبيهم منهم، وتنقل في دروب المحن والفتن إلى أن انتهى به المطاف عزيزًا لمصر، فما عليك سوى اليقين بالرحمن، والاطمئنان لخيرية أقداره، فعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم.

لست بصدد إعطاء موعظة، فلست واعظًا، لكني أشفق عليك أن تبوء بإثمك وبإثم من يحذو حذوك، وأخشى عليك فوات أجر الصابرين، وأذكرك بمعيّة الرحمن التي تصاحب مَن نزل بهم البلاء، وحلّت بهم المحن، فرُبّ منحةٍ في قلب محنة، فأمعِن البصر والبصيرة، وتنعّم باللطف الخفي للرحمن، وكفى بمعية الرحمن باعثًا على الطمأنينة والراحة والسعادة، فلا تحزن على فوات الدنيا بما فيها، ولا تَدَع لحظة طائشة ومظلمة في حياتك تقودك إلى الهلاك والجحيم، واطمِئنّ وأبشِر بأن الفرج أدنى مما تظن أو تتصور، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومهما ضاقت فإلى الفرج مصيرها ومآلها، وتفكّر ثم تفكّر بما أنعم المولى عليك، وقد أنعم عليك بالكثير الكثير، فلماذا تتفكر فيما فقدت؟، وما فقدته قليل مقارنة بما وهبك إياه الرحمن.

وختامًا، أهمس لأقطاب المجتمع ورعاته في مختلف المجالات: تحسسوا الشباب وتفقدوا أحوالهم، ولا تتركوهم أسرى اليأس والإحباط، وبُثّوا في نفوسهم الأمل، وأحيوا فيهم العزيمة على مواجهة صعاب الحياة، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته، ولا تمروا على حوادث ومحاولات الانتحار التي وقعت في قطاع غزة مرورًا عابرًا، فتكونوا كمن يدفن رأسه في التراب، فتلك الحوادث والمحاولات التي راح ضحيتها شباب تدق ناقوس الخطر، وتعكس فقدان الأمل وسيطرة الإحباط، ولا ينبغي لكم الوقوف مكتوفي الأيدي حيالها، إذ لا يعني ذلك سوى تلقي المزيد من الأخبار المؤلمة عن حوادث وحالات انتحار جديدة.

كاتب وإعلامي فلسطيني