تصغير الخط تكبير الخط
تحقيق-محمد العرابيد

"سائل فعال لتنظيف المنزل، شامبو، وصابون معطر لغسل الأيدي، ومزيل للدهون"، وبسعر الجملة، هكذا روج أحد الباعة في سوق الشيخ رضوان بمدينة غزة بضاعته، محاولاً لفت أنظار الزبائن وحثهم على شراء حاجتهم من مواد التنظيف.

حشد من المواطنين تجمهر حول "بسطة" صغيرة لا يتجاوز طولها ثلاثة أمتار، لشراء بعض من أصناف مواد التنظيف، وبأسعار رخيصة بخلاف "المستورد" والتي تعرف بارتفاع ثمنها، في سوق الشيخ رضوان.

المشهد ازداد وضوحًا عند محاولة "الرسالة" الاستفسار عن هذه الأصناف، والسبب في رخص ثمنها، حيث لاحظت عدم وجود مكونات على علبة مواد التنظيف أو الشركة المصنعة، وهي تصنع محلياً بغزة.

وبعد انتهاء البائع "خالد سعيد" وهو اسم مستعار لشاب يبلغ من العمر (30 عامًا) من بيع بضاعته، أوضح لمعد التحقيق، أن هذه المواد التي يبيعها للمواطنين بسعر رخيص، تصنع في منزله باستخدام مواد كيميائية منوعة، مشيرًا إلى أن عشرات المواطنين وربات البيوت يقدمون على شرائها باستمرار.

مشهد تجمع المواطنين لشراء مواد التنظيف الكيميائية والمصنعة محليًا في أسواق قطاع غزة، دفع "الرسالة" إلى البحث والتقصي عن صناعة هذه المواد، وعن المعايير التي تحكم هذه الصناعة، ومدى وجود رقابة من جهات الاختصاص عليها.

معد التحقيق ناقش هذا الملف مع مختص كيميائي وكذلك جهات في وزارة الاقتصاد ومباحث التموين، حيث اعتبروا أن تصنيع مواد التنظيف في المنازل، يشكل "خطورة على صحة المواطنين في غزة، ويسبب لهم الأمراض على المدى البعيد".

إضافة كميات كيميائية كبيرة

وباشرت "الرسالة" في البحث عن خفايا تصنيع مواد التنظيف في المنازل، حيث حصلت على معلومات من شاب يعمل في إحدى مصانع مواد التنظيف منذ 5 سنوات في منطقة جباليا النزلة شمال القطاع، وهو غير مرخص، مفادها أن المصانع المنزلية تعمل على إنتاج مواد التنظيف باستخدام مركبات كيميائية بكميات كبيرة حتى تزيد من فاعليتها، وكذلك باستخدام مواد أخرى "لا نعرف أسماءها"، وفق قوله.

وقال الشاب (ع.ه) ويبلغ من العمر (28 عامًا): "إن إصحاب مصانع مواد التنظيف غير المرخصة والتي توجد في المنازل، لا تلتزم بالمعايير في إضافة المواد الكيميائية، بل تعتمد على إضافة كميات كبيرة حتى تزيد فعاليتها، ويقدم المواطنون على شرائها في غزة".

دائرة حماية المستهلك: بعض المصانع تعمل في المنازل ولا نملك عناوينهم وأعدادهم

وأوضح في حديث مع معد التحقيق، أن أصحاب المصانع يستغلون جهل المواطنين في غزة وقلة خبرتهم في مواد التنظيف، ويتم إضافة مواد كيميائية خطيرة لتزيد من فعاليتها بهدف جني قدر أكبر من المال، وذلك على حساب صحة المواطن.

وأشار إلى أن مصانع مواد التنظيف في غزة تلجأ إلى شراء الزجاجات البلاستيكية الفارغة من الأطفال الذي يجمعونها من الشوارع والحاويات، وتكتفي بتنظيفها بأحواض مياه كبيرة، حيث يتم تغيير مياهها كل أسبوعين، ومن ثم يجرى تعبئتها بمواد التنظيف المختلفة.

وتقبل ربات البيوت على شراء مواد التنظيف المصنعة محلياً لرخص ثمنها، وذلك للتخفيف من الأعباء الاقتصادية، دون أن تلتفت لطبيعة تركيباتها الكيميائية.

لا تحتوي على أسماء التركيبات

معد التحقيق لاحظ خلال جولته في سوق الشيخ رضوان والشاطئ وجود أكثر من 20 محلًا "وبسطة" لبيع مواد التنظيف المصنعة محليًا، وأن العبوات لا تحتوي على المركبات الكيميائية التي صنعت منها مواد التنظيف.

وكذلك لاحظ أن أغلب محلات بيع مواد التنظيف في الأسواق هي التي تنتج هذه المواد وتصنعها في المنازل دون ترخيصها من وزارة الاقتصاد، حتى لا يتم فرض رقابة عليهم.

واكتشفت "الرسالة" خلال الجولة أن بعض محلات مواد التنظيف، تبيع للمواطنين عبوات لمواد تنظيف، وشامبو، وكريم للشعر، تحمل أسماء ماركات عالمية مستوردة، لكنها مصنعة في غزة.

وأيضاً خلال جولة لمعد التحقيق على بعض مصانع مواد التنظيف المنزلية في منطقة جباليا النزلة شمال قطاع غزة، اتضح أن أغلب المصانع لا تعتمد على تركيبات معينة في صنع مواد التنظيف.

مسؤول حكومي: هناك إهمال من وزارة الاقتصاد في متابعة مصانع مواد التنظيف

ولاحظ كذلك أن بعض المصانع المنزلية تعمل في أماكن ضيقة ولا ترتقي للمستوى الذي تسمح به وزارة الاقتصاد، الأمر الذي يؤثر على صحة العاملين في المصنع بسبب كثافة الغازات المنبعثة من خلط المواد الكيميائية، إضافة إلى عدم توفر أدنى مستلزمات السلامة للعمال.

وتنتشر في قطاع غزة الذي يزيد عدد سكانه عن 2 مليون مواطن، مصانع منزلية غير قانونية، بعيداً عن المواصفات والمقاييس المصرح بها من وزارة الاقتصاد التي تفتقر إلى أرقام حول أعداد المعامل والمصانع غير المرخصة في قطاع غزة.

تشكل خطورة على المواطنين

"الرسالة" توجهت إلى مدير دائرة المستهلك في وزارة الاقتصاد بغزة المهندس رائد الجزار، للاستفسار عن آلية متابعة محلات بيع مواد التنظيف، والمعايير التي تضعها الوزارة لاستخدام هذه المواد، حيث بين أن المعامل المنزلية التي تصنع مواد التنظيف بأنواعها في غزة "تشكل خطورة على المواطنين كون صناعتها لا تتم وفق مواصفات وزارة الاقتصاد".

وأشار إلى أن عملهم مقتصر على مراقبة محلات بيع مواد التنظيف في الأسواق والشوارع، وأن متابعة المصانع اختصاص الإدارة العامة للصناعة في وزارة الاقتصاد، مبيناً أن إجراءات متابعة محلات مواد التنظيف في الأسواق تكون من بعد وصولهم شكوى مكتوبة من المواطنين بأن هناك محلات تقدم على تزوير منتجات العلامات التجارية المستوردة.

ولفت إلى أن الطواقم الفنية في الوزارة أتلفت كثيرًا من مواد التنظيف التي تحمل علامات تجارية مستوردة، وهي مصنعة محلياً في غزة. وأكد أن هناك مصانع لمواد التنظيف تعمل في المنازل غير ظاهرة للعيان، ولا تملك الوزارة عناوين لهم أو أعدادهم.

عامل بمصنع: كثير من المصانع المحلية تلجأ إلى إضافة كميات كيميائية كبيرة لتزيد فعاليتها

وقال مدير دائرة المستهلك في وزارة الاقتصاد: "إن المصانع التي تعمل في المنازل وتنتج مواد تنظيف غير قانونية تشكل خطورة على حياة المواطنين، وتسبب أمراض عديدة".

أما عن مواد الخام المستوردة، فأوضح أن الطواقم الفنية للوزارة تعمل على فحص المواد التي تدخل عبر المعابر قبل أن تدخل إلى الأسواق للتأكد من سلامتها ومواصفاتها.

وطالب المهندس الجزار المواطنين بإبلاغ الوزارة عن المعامل المنزلية، قائلاً:" نحن سنبذل جهودنا بالتعاون مع مباحث التموين للوقوف عند هذه الظاهرة وملاحقة المصانع"، مضيفاً أن هناك معيقات تواجه طواقم الوزارة تتمثل في منع دخول بعض المواد الخام لغزة، وهذا يصعب علينا مراقبة المصانع، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي، مما يضطر بعض المصانع إلى العمل في أوقات الليل ويصعب علينا الوصول لهم.

وتمنع وزارة الاقتصاد المواطنين في غزة من صناعة مواد التنظيف باستخدام مركبات كيميائية غير معروفة.

لا نملك عناوين المصانع

"الرسالة" توجهت إلى عبد الناصر عواد مدير عام الصناعة في وزارة الاقتصاد، للاستفسار عن آلية الرقابة على مصانع مواد التنظيف، وما المعايير التي تضعها الوزارة لاستخدام هذه المواد؟، فأوضح أن 25 مصنعًا لتصنيع مواد التنظيف مرخص لدى وزارة الاقتصاد فقط، في حين أنها تفتقد إلى معلومات وأرقام حول معامل ومصانع مواد التنظيف المنزلية في غزة.

وأشار إلى أن الطواقم الفنية تعمل على مراقبة المصانع المرخصة من خلال فحص المواد في المختبرات بشكل مستمر، مؤكداً وجود العشرات من المعامل لتصنيع مواد التنظيف في منازل المواطنين.

صاحب مصنع: بعض المصانع المنزلية تخالف القوانين وتزور العبوات بماركات مستوردة

وقال عواد:" إن نقص الكوادر البشرية في الوزارة، تسبب في ضعف متابعة مصانع مواد التنظيف المنزلية"، لافتًا إلى أن هناك بعض المعامل المنزلية "تزور" بعض المنتجات بعلامات تجارية مستوردة.

ويؤكد مدير عام الصناعة في وزارة الاقتصاد، وجود مخالفات وتجاوزات في صناعة مواد التنظيف بمعامل داخل المنازل عبر استخدام مواد كيميائية غير معروفة، إضافة إلى وجود مصانع ومعامل منزلية تمارس "الغش" من أجل إنتاج كميات أكبر بتكاليف أقل.

إهمال في متابعة المصانع

وخلال بحث "الرسالة" عن الجهات المسؤولة عن متابعة هذا الملف، حصلت على معلومات من مصدر خاص يعمل في "الاقتصاد"، مؤكداً وجود تقصير في متابعة مصانع ومعامل مواد التنظيف في غزة.

واكتفى أحد المسؤولين، وهو مطلع على متابعة هذا الملف، وتتحفظ "الرسالة" على ذكره اسمه، بالإشارة إلى إهمال واضح من الاقتصاد في متابعة معامل ومصانع مواد التنظيف، وفرض إجراءات صارمة بحقهم، بذريعة منع الاحتلال إدخال مواد الخام لقطاع غزة.

وخلال بحث معد التحقيق، التقى بأحد أصحاب مصانع مواد التنظيف في غزة، حيث قال: "إن وزارة الاقتصاد لا تجري جولات تفتيش على معامل ومصانع مواد التنظيف من سنوات"، مؤكدًا أنها تهمل هذا الملف الخطير، ولا تمتلك أرقام ولا عناوين لهذه المصانع والمعامل.

مباحث التموين: أوقفنا مصانع تنتج محلياً وتغلف بأسماء ماركات عالمية

وأكد أن هناك مصانع تلجأ إلى العمل في أوقات الليل بذريعة انقطاع التيار الكهربائي، وتستخدم مركبات كيميائية خطيرة حتى تنتج كميات كبيرة مقابل رخص ثمنها.

وأضاف: "يوجد تجار يطلبون من بعض المصانع صنع مواد تنظيف رخيصة الثمن، أو مواد مضاف عليها كميات كبيرة من المركبات الكيميائية لزيادة فعاليتها من أجل الإقبال عليها من الناس، في حين يلجأ بعض التجار لتعبئتها في عبوات لشركات عالمية".

 إتلاف مواد غير صالحة

أقوال المصدر لمعد التحقيق بوجود اتفاقات بين أصحاب المصانع والتجار، على استخدام مركبات كيميائية خطيرة في مواد التنظيف، توافقت مع حديث المقدم محمد المعصوابي مدير مباحث التموين والمعادن الثمينة.

وقال المعصوابي لـ"الرسالة"، " أن الطواقم الفنية أتلفت كثيرًا من مواد التنظيف المزيفة وغير الصالحة، حيث كان يستخدم مركبات كيميائية دون وجود معايير لذلك في صناعة مواد التنظيف ومنها، سائل الجلي ومزيل الدهون.

وأوضح أن هناك تعاونًا مستمرًا مع وزارة الاقتصاد، مما يساعد في الكشف عن أصحاب المصانع الذين يستخدمون المواد الخطيرة، مضيفًا: "أثناء جولاتنا الميدانية نفتش على محلات بيع المنظفات داخل مدينة غزة للتأكد من سلامة المنتوجات المصنوعة".

وعن الإجراءات المتبعة، أشار المقدم المعصوابي إلى أنهم يحذرون أصحاب المصانع من استخدام هذه المواد، وفي حال لم يلتزموا بالقرار يجري فرض غرامات مالية عليهم تحددها النيابة العامة وفق القانون الفلسطيني.

بلدية غزة: مهامنا ترخيص المصانع فقط ومن يتحمل المسؤولية وزارة الاقتصاد

وقد لا يتبادر إلى أذهان المواطنين في غزة أن أغلب المنظفات المصنعة محليًا، والتي ويستخدمونها بشكل يومي خطر يداهم حياتهم، لاسيما المواد المضاف عليها مركبات كيميائية، وذلك لغياب منظومة متقدمة في القطاع تعمل على إنتاج مواد التنظيف بشكل صحي.

متابعتها اختصاص الاقتصاد

جولة البحث عن الجهة المسؤولة عن مصانع مواد التنظيف، قادت "الرسالة" إلى بلدية غزة، باعتبارها المسؤولة عن ترخيص هذه المصانع، وهناك قال رشاد عيد رئيس قسم مراقبة الأغذية والتراخيص المهنية والصحية في البلدية، "إن مراقبة المصانع من اختصاص وزارة الاقتصاد ومباحث التموين".

وأشار عيد في حديثه مع "الرسالة" إلى أن طواقم البلدية تجري حملات رقابية على مصانع مواد التنظيف من الناحية الفنية ومعايير السلامة. وذكر عيد أن البلدية لا تعطي تراخيص للمصانع، إلا بعد أن يحصل أصحابها على ترخيص معتمد من الاقتصاد.

مختص كيميائي: زيادة المواد الكيميائية على مواد التنظيف تسبب أمراض خطيرة للمواطنين

ويشيع استخدام المنظفات الكيميائية في غسيل الملابس والأواني وتنظيف الأرضيات وغير ذلك، وتشير دراسة كندية حديثة إلى أن هذه المنظفات تسبب سنويًا تسمم مليون شخص سواء عن طريق العبث بها من قبل الأطفال، أو باستنشاق الغازات المنبعثة منها أو من خلال امتصاص الجلد إياها.

تسبب أمراض خطيرة

والتقى معد التحقيق مع الدكتور رامي مرجان رئيس قسم الكيمياء في الجامعة الإسلامية، الذي قال إن صناعة مواد التنظيف بطريقة غير علمية قد تسبب للمواطنين أمراض خطيرة.

وأوضح مرجان في حديث لمعد التحقيق، أن صناعة مواد التنظيف تتم وفق حسابات في استخدام المركبات الكيميائية، مشيرا إلى أن زيادة المواد الحمضية قد تصيب المواطن بأمراض جلدية خطيرة.

وأكد أن أصحاب المصانع والمعامل في غزة يجهلون الآثار المترتبة على استخدام هذه المواد، ولا يعرفون أسماءها، بل يعتمدون على تركيبات وطرق موجودة على الانترنت.

وشدد الدكتور مرجان على أنه لا يوجد مصنع لمواد التنظيف في غزة يعمل بطريقة علمية. وأضاف:" إضافة كميات كبيرة من المواد الكيميائية على مواد التنظيف أو نقصانها تسبب أمراض خطيرة للمواطنين على المدى القريب أو البعيد".

وعود بالقضاء على الظاهرة

وبالعودة إلى مدير دائرة المستهلك في وزارة الاقتصاد بغزة المهندس رائد الجزار، الذي قال لمعد التحقيق: " إن طواقمه ستعمل خلال الأسابيع المقبلة على حملات مكثفة على الأسواق لإتلاف مواد التنظيف المغشوشة".

وأوضح أن وزارته ستعمل جاهدة على إنهاء ظاهرة تزوير منتجات مواد التنظيف من الأسواق ومحاسبة أصحاب المصانع الذين يلجؤون إلى غش هذه المواد بأسماء ماركات مستوردة".

كما وعد عبد الناصر عواد مدير عام الصناعة في وزارة الاقتصاد، بأن الطواقم الفنية في الوزارة ستجري خلال الأيام القليلة القادمة، حملة مكثفة على مصانع ومعامل مواد التنظيف المنزلية لضبطها وإغلاقها.

وقال في حديث لمعد التحقيق: " هذه المعامل تشكل خطورة على حياة المواطنين، لذلك سنعمل بجهد مع مباحث التموين على إغلاقها، وسحب المواد غير الصالحة من الأسواق".

واستنتاجًا مما سبق، فإن حجم الضرر الذي يهدد صحة المواطن في غزة وسلامته، من غياب الرقابة على مصانع مواد التنظيف بالقطاع، يفرض المبادرة بتشكيل لجنة من الجهات المختصة تكون مهمتها متابعة المعامل، وفرض إجراءات تضبط عمل المصانع.

إضافة إلى ضرورة فرض عقوبات مشددة تحول دون استخدام مصانع مواد التنظيف المركبات الكيميائية بما يخالف المعايير المعتمدة، إضافة إلى عدم إغفال رفع مستوى الوعي لدى المواطنين حول خطر هذه المواد المستخدمة.

ويجدر بالجهات المعنية في وزارة الاقتصاد أن توضع برنامج للتفتيش على المصانع باستمرار، وتفعيل دور المختبرات المتخصصة بإجراء البحوث العلمية، وإيجاد حلول مناسبة لتطوير عمل المصانع المرخصة لضمان سلامة المواطنين.