تصغير الخط تكبير الخط
م. أحمد أبو العمرين

بورما .. الدولة التي تعاني أقليتها المسلمة (الروهينغيا) من الاضطهاد الديني البشع منذ عقود، وتتعالى أصوات المسلمين في مختلف أنحء العالم منذ فترة الثمانينيات للتضامن معهم ونصرتهم ، ويرفع المسلمون في ذلك شعارات الأمة الواحدة والأخوة في الدين والعقيدة ، وهي مشاعر صافية نبيلة تستحق التعزيز والتطوير.

لكن المؤسف أن هذه الدعوات والشعارات لا تتجاوز الطرح النظري الذي لا يسنده واقع ولا يعززه فعل !! فبورما هي دولة مستقلة مثل كل دولنا العربية والإسلامية ، مع فارق أنها دولة بوذية ، وكيف لنا أن نقنع هذه الدولة البوذية فضلاً عن أن نقنع العالم بحقنا في الدفاع عن هذه الأقلية (أو غيرها) في ظل سيادة البُعد الوطني والبُعد القومي في دول العالم ومنها دولنا العربية والإسلامية نفسها ؟؟!!

إن تعالي شعارات التضامن مع مسلمي بورما في ظل الدولة القُطرية لا يعدو تضماناً عاطفياً إنسانياً لن يتجاوز بعض المساعدات المالية والإنسانية في أفضل الأحوال ، وإن هذا يتجاهل البُعد الحقيقي لقضية مسلمي بورما المتمثلة في الاضطهاد الديني والسياسي لهم منذ عقود مع سيطرة البوذيين على الحكم بدعم من الاستعمار البريطاني . أضف إلى ذلك أن الجانب الأهم في مأساة مسلمي بورما تكمن في رفض الدولة المسلمة الجارة لهم (بنغلاديش) من استقبال اللاجئين البورميين أو مساعدتهم أمام مطاردة الأمن وأجهزة الدولة في بورما لهم وتشريدهم وحرق بيوتهم وقراهم !! فكيف لنا أن نقنع العالم بأن الاضطهاد الممارس ضدهم هو اضطهاد ديني يُناقض حقوق الإنسان واحترام الأقليات التي كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ؟؟!!

ثم أن أي دولة عربية أو مسلمة والتي يؤمن جميع شعوبها بالحدود الجغراقية والتميُّز القُطري .. هل يقبلون تدخل أي دول خارجية في قضاياها الداخلية حتى لو كان من منطلق الوحدة الإسلامية والأمة الواحدة ؟!!

علينا أن نتذكر في هذا المقام رفض التدخل الخارجي في الثورات العربية في مصر أو سوريا أو اليمن ، وحتى ليبيا التي حصل تدخل حلف الناتو فيها بقي محلّ إدانة من كثير من شرائح شعوبنا العربية، فهل نطالب حقاً بشكل صادق ان نحل مشكلة مسلمي بورما حلاً جذرياً ؟؟ ام هي مجرد تأثر عاطفي وقتي بصور وفيديوهات وتقتيل واضطهاد لا يلبث إلا أن يتلاشى أمام واقع تشرذم أمتنا وتقسيمها جغرافياً ؟؟!!! 

إننا نعيش أزمة تاريخية في المفاهيم والقيم خلقها بالأساس الاستعمار الأجنبي والتقسيم الجغرافي للدول والشعوب ، وإن تجاهل هذا الجذْر الأصلي لمعظم أزمات الأمة سيُبقي أي مطالبات للإغاثة .. والتي تصطبغ بشعارات الأخوة مثل "إخواننا في سوريا" أو "إخواننا في بورما" أو حتى "إخواننا في فلسطين" ستُبقيها كدعوات عاطفية باهتة لا تتعدى المساعدات الإنسانية الهزيلة.

وبالتالي تكمن الخطوة الأولى في مساعدة الشعوب المستضعفة في إدراك أصل المشكلة أولاً وتشخيصها التشخيص الصحيح ، والإيمان بأننا أمة واحدة ويجب أن نتحرر من قيود وحدود الاستعمار ، ثم السعي الحقيقي لوحدة الأمة سياسياً طالما أننا نستند لهذا المعنى الجميل في تضامننا مع هذه الشعوب .. هذا الهدف الكبير الذي سيمر حتماً بالحصول على الحرية وإعطاء الشعوب إرادتها وانتزاع حقها في التعبير عن ضميرها وهويتها ومصيرها الذي تختاره بحرية .