تصغير الخط تكبير الخط
رامي أبو زبيدة

تعد الحرب عملًا خطيرًا، فيذكر كلاوزفيتر، أن الحرب عمل من أعمال العنف، يستهدف إكراه الخصم على تنفيذ إرادتنا، فالحرب صراع إرادات، تستغل فيها كل الموازين، بما فيها الموازين الناشئة عن نيران القتال، للوصول إلى نتائج السياسة. وهنا لنفترض انه وصلتنا معلومات كثيرة خلقت لدينا الخوف والشكوك بأن العدو يعتزم شن الحرب، ولنفرض ايضا ان العدو يقصد خداعنا ويسرب معلومات تجعلنا نعتقد بأن المقصود هو عبارة عن مناورة عسكرية فقط. وفي هذا الاطار تصلنا معلومات كثيرة يمكن تفسير معظماها في ضوء التكهن، وان بعضها يتحدث عن مناورة بشكل واضح وصريح، أي انها لا تنسجم مع امكانية اندلاع حرب، وفي المقابل يكون عدد المعلومات والانباء التي يمكن تفسيرها فقط على ضوء التكهن بأن العدو يوشك على شن الحرب، قليلة جداً، هنا علينا أن نأخذ في الحسبان امكانية الخداع وأن العدو عندما يعتزم شن حرب على احدى الجبهات، يسرب انباء، توهمنا بأن المقصود من استعداداته هو اجراء عمل غير الحرب، او التحرك على جبهة الشمال (حزب الله) وعينه على الجبهة الجنوبية (قطاع غزة) أو العكس، لأنه ليس من المعقول الافتراض بأنه عندما يعتزم العدو القيام بمناورة، يسرب الينا انباء تشير الى اعتزامه شن حرب، إن الانسجام بين هذين الوضعين لا وجود له، في هذه الحالة يصبح التكهن بشأن الحرب أكثر معقولية لأنه ينسجم مع الحقائق، اذا فما هي وجهة العدو وعلى أي جبهة يتحضر للحرب القادمة وهل ستشترك فيها أكثر من جبهة، هذا ما سأحاول طرحه في مقالي هذا.

لم تكن زيارة نتنياهو الاخيرة الى روسيا عبثية، بل زيارة تؤكد قلق العدو الاسرائيلي من توسع النفوذ الايراني وحزب الله في سوريا، وتخوفها من التمركز الميداني للمدى البعيد في الجنوب السوري، وبالتالي سيضر بأمن اسرائيل، نجحت ايران بتوسيع نفوذها في العراق وسوريا، وهذا التنامي في النفوذ يأتي في سياق التنسيق الراهن مع روسيا في العديد من الملفات الاقليمية والدولية، حيث ان موسكو مؤخرا دعمت طهران بصواريخ اس 300 الاستراتيجية، ذهبت اسرائيل الى روسيا وهي تعلم ان روسيا صاحبة اليد العليا الان في سوريا لذلك قام نتنياهو بزيارتها وفق رؤية اسرائيل لحماية المتطلبات الامنية الاسرائيلية، من المتوقع أن لا تأتي التحركات الدبلوماسية في أروقة مجلس الأمن والأمم المتحدة والزيارات المكوكية مؤخراً للولايات المتحدة وروسيا بشيء، كما أن الاعلام الاسرائيلي أثار ضجة كبيرة عن سياسة حزب الله وتوجهه اختراق للجيش اللبناني واتهام ضباط بالاسم يعملون لصالحه، ومحاولة تغيير الدور الوظيفي لقوات اليونيفيل، وتسليط الإعلام الصهيوني الأضواء على أخبار سيطرة إيران على سوريا، واستغلال وجودها لإقامة مصانع صواريخ وتدريب قوات يشير أن هذه مقدمات لتحركات واردة في أية لحظة من قبل الجيش الصهيون. وما المناورات التي يجريها جيش الاحتلال شمال فلسطين المحتلة حاليا والتي لم يسبق لها مثيل منذ عام 1998 حيث يشارك فيها آلاف الجنود والضباط وتحاكي حرب مع حزب الله، يتحدث قادة العدو ان هدف تمارينه العسكرية في المنطقة الشمالية : صد اي هجوم من قبل حزب الله والتي من الممكن ان تغزو العمق الشمالي، تأمين منطقة شمال كريات شمونة والمطلة، تأمين حزام المستوطنات، قطع الاشجار والبحث عن انفاق محتملة، التدريب على القتال الميداني في حال تم سيطرة حزب الله على بقعة معينة، العدو يستعد للحرب ضد حزب الله في لبنان وفي سوريا على اعتبار انه جيش ولديه قدرات كفيلة بإيقاع اضرار جسيمة بإسرائيل وبجبهتها الداخلي، وهنا يقول اليكس فيشمان، عندما ينفخ الجيش الاسرائيلي العضلات على الحدود الشمالية ويتحدث عن هزيمة حزب الله في حملة عسكرية، نوصي بالعودة الى العام 2006 كي نحصل على بعض التوازن بالنسبة للفجوة التي بين الخطاب وقدرة التنفيذ، في الجيش أدركوا فعليًا أنه ليس هناك فرصة لأن تبقى المواجهة القادمة مقتصرة على ساحة لبنان فقط.

بالمقابل الوضع على جبهة غزة وتصريحات الاحتلال حول بناء الجدار الاسمنتي على الحدود تصعيدية؛ وتوتيريه وتشي بأن الأيام والاسابيع القادمة تشكل مساحة تحدي بين المقاومة والاحتلال، فنحن أما قفز للأمام من قبل الاحتلال وهذا يفرض على المقاومة التحرك على الارض وفق التكتيكات التي تراها مناسبة للتعامل مع عشرات الآلات الضخمة وأكثر من 1،000 عامل سيبدؤون نشاطهم على طول الحدود مع قطاع غزة خلال أسابيع، هذا ما دعا الكاتب الإسرائيلي في موقع "والا" العبري أمير بوخبوط بالتساؤل عن موقف يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحماس بغزة، بقوله "ليس من الواضح كيف سيتصرف زعيم حماس يحيى السنوار في ضوء تكثيف بناء الحاجز تحت الأرضي الذي سيدمر تدريجيا السلاح الاستراتيجي، وفي ظل وجود العاملين والمقاولين سوف تعمل كافة أذرع الاحتلال وبكامل قوتها على الحدود وسوف يتطلب من القوات الوقوف بجانبهم والاستعداد لهجمات من مختلف الأنواع كتشغيل قنابل الأنفاق أو مدافع الهاون والقناصة وعمليات إطلاق النار أو إطلاق صواريخ المضادة للدبابات والاغارة من قبل مجموعات هجومية، لذلك الأمر سيكون معقد وخطير جدا، يرى ضباط بالجيش الاسرائيلي أن حماس سترد على أي عملية لتحديد مكان أي نفق وتدميره على الحدود حتى لو كانت لا تريد فتح جبهة ضد "إسرائيل"، لذلك فالتحركات الجديدة للاحتلال تسهم في إعادة التسخين للجبهة الجنوبية من خلال إقامة الجدار الاسمنتي، فالمقاومة لن تسمح بالمس بقدراتها العسكرية وسلاحها الاستراتيجي، ومن الصعب على المقاومة مشاهدة هذه التحركات وغض البصر عنها دون تحرك ميداني مدروس على الارض.

بعد كل هذه المعلومات المتوفرة لنا على الجبهتين نحن اليوم أمام "الانذار المجمع" وهو مستخدم لدى الاستخبارات العسكرية، أي نحن امام اجراء في مراحل التطور، وتتجمع عناصر لها تأثير على اجراء اتخاذ القرارات التي تدفع الامور باتجاه معين، وان كل استنتاج يتعلق بنوايا العدو بشأن الخروج الى الحرب، يعتمد على عدد كبير من الافتراضات وعلى كمية كبيرة من المعلومات، ومن الافتراضات المتوقع حدوثها في المنظور القريب التالي:

1. على صعيد جبهة الساحة اللبنانية والجولان السوري الافتراض هو أن يحدث حدث متدحرج من فرض السيطرة، ويتبعه رد مضاد. يتدحرج الطرفان نحو جولة مواجهة وحتى حرب. ولكن في هذه المرة فان لائحة المفاجآت لحزب الله ستتضمن ليس فقط إطلاق مكثف لصليات صاروخية نحو المدن الإسرائيلية ونحو مواقع حيوية، مثل الموانئ، المطارات ومنشآت البنية التحتية، بل أيضا محاولة الدخول إلى الأراضي الإسرائيلية والسيطرة على موقع الجيش الإسرائيلي أو حتى على قرية إسرائيلية على خط الحدود مع لبنان.

2. وفيما يخص جبهة قطاع غزة فإن تحرك الاحتلال الاسرائيلي نحو اقامة جدار اسمنتي قد يهدد استراتيجية الانفاق والمقاومة لن تسمح بالمس بقدراتها العسكرية وسلاحها الاستراتيجي مما يدفعها للفعل على الارض لإعاقة عمل قوات الاحتلال على حدود القطاع وهنا قد تتوسع ردات الفعل لحرب يخطط لها العدو منذ فترة.

3. خوض الحرب على الجبهتين الشمالية والجنوبية في ان واحد، في ظل اعتقاد العدو بتطور العلاقات بين قوى المقاومة على الجبهتين وعودة العلاقات مع ايران، وامكانية تحسنها مع سوريا.

الخيار الاول والثاني يحملان تقريبا نفس النسب في هذه المرحلة، الترجيح بينهما هو ما تحمله الايام او الاسابيع المقبلة من احداث وردات فعل قد تكون مفاجئة تزيد من تسخين احدى هذه الجبهات وبروزها للواجهة بشكل أكبر.

كلما اقترب موعد المواجهة فإنه على قوى المقاومة ان تكون مهيأة لاتخاذ واحدة او أكثر من بين الاستراتيجيات التالية :

1. الرد بعمل عسكري جزئي فقط، اعتماداً على انذار جزئي، تسهم هذه الاستراتيجية في تقليل خطر المفاجأة وتقليص ثمن المواجهة في حالة حدوثها فعلاً.

2. الرد بشكل حاسم (مسبق او وقائي) اعتماداً على انذارا قصير جداً من حيث الزمن، فهذه الاستراتيجية تمكن من ابداء المرونة في الرد على التهديدات عن طريق تأجيل تنفيذ العمليات الاستفزازية للعدو وشل خططه المرسومة مسبقاً.

3. امتصاص درجة ما من الاضرار والصمود وتحمل ثمن بداية الاجراء المعادي المفاجئ، ومن ثم الرد بشكل حاسم، جوهر هذه الاستراتيجية هو القدرة على امتصاص الضربة الاولى، والقدرة على ادارة الحرب.

ختاماً اسرائيل اليوم تستعد لحرب حقيقية لأنه اي حدث بسيط قد يؤدي الى حرب، تماما كما حدث مع استهداف المنشأة في سوريا قبل ايام، اسرائيل على قناعة بان هناك مواجهة قادمة في المستقبل وقد تقع في اي لحظة، سواء في الشمال او في الجنوب، لأنها تعلم ان النار المندلعة من حولها لابد بأن تصاب بلهيبها. ولأنها تعلم ان قوى المقاومة لديها خط هو الاخر احمر لا يسمح لإسرائيل ان تتجاوزه، كما تفعل هي.