تصغير الخط تكبير الخط
​جنين-مراسلتنا

أمام إحدى روضات الأطفال في مدينة جنين، وقفت حافلتان تابعتان لها، صعد الأطفال على عتبات الباص، وجلسوا بأماكنهم، قلوبهم تطير من الفرح، وضحكاتهم وصوت لعبهم ملأ المكان، إلى أن باغتهم صوت رصاص يطلق من حولهم وباتجاههم.

دقائق من الرعب والهلع، عاشها أطفال ومعلمات الروضة، وهم يرون المسلحين يحيطون بهم ويطلقون النار بشكل عشوائي، بهدف اعتقال سائقي الحافلتين، أحدهما كان يقف خارج الحافلة، تمكن من الهرب، أما الآخر فحاول أن يقف عن كرسيه لكن رصاصات التهديد من حوله أجبرته على رفع يديه وسلّم نفسه لينهي هذا المشهد البوليسي المرعب.

صراخ الأطفال وبكاؤهم لم يشفع لهم، ولم يكن سبباً كافياً ليوقف عناصر الأمن الوقائي الذي ارتدوا الزي المدني وآخرون بزيهم العسكري هجومهم على حافلات الروضة، فاعتقلوا السائق أحمد أبو زينة، فيما تمكن سائق الحافلة الثانية "توفيق جربوع" من الهرب.

يصف أبو زينة تلك الحادثة، ويقول: "كان يوماً طبيعياً، ذهبت للروضة لاصطحاب الأطفال لمنازلهم، كان نحو 25 طالب بالباص، إضافة لمعلمتين، وكنت أستعد لتشغيل الباص والسير بهم، قبل أن نتفاجأ بسيارتين مدنيتين، يترجل منها عناصر الوقائي، ويطلقون النار باتجاهنا".

وتمكنت "الرسالة" من الحديث مع أبو زينة، بعد الإفراج عنه من سجن الوقائي، حيث أصيب بجلطة دماغية بعد يوم من اعتقاله.

يروي أحمد ما حدث معه بعد اعتقاله: "تم نقلي لمقر الوقائي في جنين، ووضعت في زنزانة صغيرة مساحتها لا تتسع سوى للفرشة التي أنام عليها، ولا يوجد فيها إلا طاقة صغيرة مغلقة، رفضوا فتحها رغم الحر الشديد وعدم وجود مصدر للهواء غيرها".

استيقظ من نومه المتقطع في اليوم التالي لاعتقاله، كان يوم جمعة، لا دوام رسمي في المقر، ضابط السجن أمر بعدم فتح طاقة الهواء الوحيدة في الزنزانة، وخرج يقضي عطلة الأسبوع مع عائلته، يتنفس الهواء الذي منعه عن أحمد.

صرخ أحمد وعلا صوته، حارس الزنزانة يعيد العبارة ذاتها "ممنوع أفتحلك الطاقة.. هذه أوامر"، لكن بعد صراخ أحمد المستمر ومطالبته بفتحها، فُتحت، طلب بعدها أن يأخذ جرعة من "بخاخ" الفم، فهو يعاني من الربو، وحاول أن ينام قليلاً، لكن ألماً بجسده أيقظه بعد دقائق قليلة من غفوته.

يقول: "استيقظت وأنا أشعر بتشنجات في يدي وقدمي، وفمي أصبح بشكل جانبي، صرخت وناديت عليهم، وتم نقلي لمركز الخدمات الطبية، أخبرهم الطبيب بضرورة نقلي للمستشفى، فنقلت لمستشفى الرازي بجنين، وهناك تم إجراء صور أشعة وطبقية وتخطيط للقلب وفحوصات كاملة لي".

"لا يمكن إخراجه من المستشفى، وضعه لا يسمح، وهو بحاجة للبقاء يومين تحت المراقبة"، كانت تلك كلمات طبيب المستشفى للقوة العسكرية التي رافقت أحمد، والتي استطاع أن يسمعها وهو ملقى على السرير.

لكن سرعان ما تم إخراجه من المستشفى والعودة به للمقر، ومن هناك، جاءت سيارة أخرى، وقالوا لأحمد سنذهب لمستشفى آخر، يقول أحمد: "عندما رأيت السيارة، علمت أنها السيارة التي ستنقلني لسجن أريحا المركزي، وبالفعل، نقلت إلى هناك وأنا مقيد، وتم وضعي بقفص الحديد بالسيارة رغم سوء وضعي الصحي".

وصل أريحا، وهناك استُقبل أحمد بالضرب المبرح، وعلى الأماكن الحساسة في جسده، غير مراعين وضعه الصحي، وإصابته بأعراض الجلطة الدماغية البادية على وجهه.

أمسكه أحد العناصر من فمه الذي أزيح على جانب آخر جرّاء إصابته بالجلطة، وقال له "سأعيد لك فمك لمكانه"، صرخ أحمد تحت التعذيب والضرب وسيل من الشتائم، وسقط أرضاً ولم يقو على الحراك.

وعند غروب الشمس، طلب أحمد أن يصلي المغرب، وهو مقيّد وعيونه مغطاة، لكن أحد العناصر قال له: "أنت هنا في أريحا، لا صوم ولا صلاة ولا .."، وفق تعبيره.

تدهور الوضع الصحي لأبو زينة، فتم نقله لمركز خاص في أريحا، وأجريت له صورة طبقية، أكدت سوء وضعه الصحي، وأنه كان قد أجرى عملية سابقة في رأسه، وأن وضعه لا يسمح باعتقاله ووضعه بالسجن.

ويضيف: "تم نقلي لمستشفى في أريحا، وهناك تم تقييدي بالسرير، ووضعت تحت حراسة مشددة".

وخلال مكوثه بالمستشفى، حضرت محققة لاستجواب أحمد، ووجهت له تهما بإطلاق النار على عناصر من الأمن، وغيرها من التهم التي قد توجب حبسه مدى الحياة في حال صدقها، حسب قوله، إضافة للتحقيق معه حول مكوثه في سجون الاحتلال، ومع أي فصيل كان يعيش داخل السجن.

وبعيداً عن مشاعر الأنثى وقلب المرأة، سألت المحققة أحمد: هل لديك أطفال؟ فأجابها: نعم، لي طفلان، فقالت له، إذاً؛ اتصل بزوجتك وأخبرها أن تشتري لهما ملابس العيد، فأنت ستبقى عندنا ولن تذهب إليهم".

بعد ثلاثة أيام من مكوثه في مستشفى أريحا، صدر قرار بالإفراج عن أحمد، وسمح لعائلته الحضور لاستلامه الساعة الثالثة قبل الفجر.

تماثل أحمد للشفاء بعد أيام، عند خضوعه للعلاج في المستشفى، لكنه عندما توجه لمستشفى الرازي حيث تم تحويله من قبل الوقائي وأجريت له فحوصات شاملة في بادئ الأمر، تفاجأ بعدم وجود ملف باسمه بالمستشفى، وقال: "ما علمناه أن الوقائي هدد المستشفى وأجبرهم على عدم فتح ملف باسمي أو توثيق حالتي بتقرير طبي".

ويعمل أحمد أبو زينة إماماً لمسجد الطوالبة في جنين، وهو المعيل الوحيد لأسرته، وكان قد اعتقل قرابة أربع سنوات في سجون الاحتلال، إضافة لاعتقاله ثلاث مرات لدى أجهزة السلطة، واستدعائه مرات عديدة.

أما زميله "توفيق جربوع"، سائق الحافلة الثانية التي استهدفت خلال حادثة الاعتقال، فأشار إلى أن أجهزة السلطة كانت تلاحقهما بذريعة إطلاقهما النار على قوات الأمن.

وقال لـ"الرسالة": "التهمة التي توجهها لنا السلطة باطلة، وتقدمنا بالأدلة التي تثبت وجودنا بمكان آخر يتضمن تسجيلا لكاميرات مراقبة، تنفي تلك التهم، لكن تصر الأجهزة على ملاحقتنا واعتقالنا".

وأشار جربوع إلى أنه لا يزال ملاحقاً من أجهزة الأمن، حيث حاولت اعتقاله مرة أخرى بعد مداهمة مكان عمله، لكنها فشلت بذلك.