تصغير الخط تكبير الخط
​الرسالة نت-محمد بلّور

إذا كان قطار المصالحة أقلع بعد حالة التفاؤل التي أيّدت وصول حكومة التوافق الفلسطينية لغزة فإنه بحاجة إلى كثير من الوقود في القاهرة لاستئناف الطريق الملغوم. 

يتفق المثقف وبائع الخضار في غزة أنه لا يمكن الرجوع للماضي وأن آلام المصالحة أياً كانت أهون بكثير من نيران الانقسام التي ألهبت غزة والضفة وانتهزها الاحتلال لفرض الحصار وشنّ الحروب وزيادة الاستيطان.

وإذا كنّا الآن في طور مرحلة تطبيق المصالحة الوطنية الفلسطينية فلا بد أن يجري تنفيذاً عملياً لاتفاق عام (2011) في القاهرة وهو ما ليس بالسهل دفعةً واحدة فالحديث عن منظمة التحرير والمجلس الوطني وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية أمامه كثير من العقبات.

واقع جديد

اليوم بعد مرور (11) عامًا على الانقسام الفلسطيني تتوجه الأنظار إلى التطبيق العملي لمرحلة تتطلب تلمس تغييرات حقيقية في حياة المواطن الذي بات مقتنعاً أن أي فصيل فلسطيني منفرداً لا يستطيع التصدّي لهموم القضية الفلسطينية.

ويقول مصطفى الصواف المحلل السياسي إن حوارات القاهرة ستتناول قضايا شائكة لو تركت ستعطّل طريق المصالحة أهمها الأجهزة الأمنية والموظفين وضرورة تفعيل ما اتفقوا عليه عام (2011) مثل الانتخابات والمنظمة والمجلس الوطني.

ومن الطبيعي أن الحوار المتطور هذه المرّة لن يبدد العوائق دفعةً واحدة، وإنما من المرتقب أن يرافق الحديث فيه عن نتائج اتفاق (2011) تلمس المواطن لتحسين الحياة اليومية، وتأمين جزء من حاجته المعيشية.

ويضيف: "الشعور بالتحسن يستوجب رفع عقوبات غزة من الكهرباء والموظفين والتحويلات الطبيّة وتحمل الحكومة كامل مسئولياتها بعد أن تسلمت زمام الأمور وهي مبشّرات تمنح الاطمئنان".

أما د. ناجي شرّاب المحلل السياسي فيرى أن حوار القاهرة سيتجاوز مناقشة آليات تسهيل الخدمات اليومية والمعابر والكهرباء إلى الاتفاق على رؤية سياسية تحدد شكل الحكومة القادمة والانتخابات.

ويضيف: "مشاكل الخدمات والمعابر لها طبيعة إدارية وفنية سيتم حلها مؤكداً لكن الفصائل في القاهرة ستبدأ النقاش على كيفية تطبيق وتفعيل اتفاق 2011 مثل كيف نتفق على بنية سياسية غير متوافقة قديمًا ومن المؤسسة التي ستحكم عملنا السياسي في ظل تحولات دولية وإقليمية وماهية المقاومة وعملية التسوية".

وكانت القاهرة قد استضافت الفرقاء والفصائل الفلسطينية عام (2011) وجرى الاتفاق حينها على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وانتخابات للمجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية.

قطار المصالحة الذي سيمر بمحطات كثيرة سينجز ملفات لا خلاف عليها، تتعلق بحياة المواطن لكن رئاسة السلطة الفلسطينية حسب رؤية أخرى للدكتور أحمد رفيق عوض المحلل السياسي تريد تطبيق عملي لتسلم مهمات الوزارات في غزة قبل يومين وإنفاذ القانون وضبط الأمن برؤيتها الخاصة على المعابر.

ويتابع عوض:" في القاهرة تريد السلطة أن تجمع بين الممارسة الاقتصادية والسياسية وتقديم الخدمات اليومية ضمن رؤية إستراتيجية من خلال إنفاذ القانون وهو ما سيتحقق إذا قدّم كل طرف تنازلات يراها مؤلمة في سبيل الوصول لحل".

وثمّة رؤية مشابهة نسبياً يقدمها جورج جقمان المحلل السياسي تقول إن جلسة الفصائل في القاهرة ستركز على صلاحيات ودور الوزارات وتناقش حل موظفي غزة والموظفين الذين تركوا العمل في غزة والضفة.

ويضيف: "النقاش سيكون عن صلاحيات فعلية للحكومة أما الأمن في غزة فصعب تغييره حالياً وسيبقى كما هو ومفترض رفع العقوبات على غزة فوراً وهنا يبرز أهمية الدور المصري الذي يركّز على تسريع الإنجاز".

المظلة المصرية

المشهد السياسي والميداني في كامل الإقليم متحرك بشكل عميق وواقع إستراتيجي جديد تبرز معه تعاظم قوى معينة وتقهقر أخرى إلى الخلف وأمام خارطة سياسية جديدة في الإقليم تحتل القاهرة دوراً مهماً وتعود لتلعب دوراً أساسياً في القضية الفلسطينية.

ويؤكد الصوّاف أن القاهرة ركّزت مؤخراً على تقريب وجهات النظر، وأنها مهتمة لقيادة المنطقة من خلال البوابة الفلسطينية لما في ذلك من أهمية لموقعها السياسي والجغرافي وعلاقاتها الدولية.

وإذا كان الحديث عن واقع عملي يتلمسه الفلسطيني من خلال قربه الجغرافي من مصر، فإن معبر رفح سيكون على سلم الأولويات كما يرى جورج جقمان المحلل السياسي إلى جوار انفراجة في الحالة الاقتصادية بإعادة فتح المعبر وفق بروتوكول رسمي يشبه ما جرى عام (2005) .

أما د. شراب المحلل السياسي فيؤكد أن القاهرة في المرحلة الحالية مهتمة بدفع عجلة الزمن وتسريع عنصر الوقت للشروع في تفعيل الإطار القيادي لمنظمة التحرير الذي كان في طور التجميد منذ آخر اتفاق عام (2011).

ويشكل اجتماع الفصائل تحت مظلة القاهرة الآن لإعادة تفعيل إطار المنظمة بوجود حماس والجهاد شكلاً جديداً سيأخذ اللون الانتقالي لقيادة منظمة التحرير الجديدة التي ستمهّد لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.

ويعرب شراب عن تفاؤله بلغة سياسية جديدة قرأها قبل يومين في تصريحات إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي حين تحدث عن ضبط السلاح للمؤسسة الرسمية الأمنية ومستقبل الدولة وعاصمتها القدس، رابطاً تصريحاته بحديث د. موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي الذي تكلّم عن واقع الشراكة في الحرب والسلام"، وفق قوله.

اليوم بجلوس حماس على الطاولة في القاهرة في توقيت وواقع سياسي يختلف عن عام (2011) أصبحت حماس مكوّناً أساسياً في عملية التحول السياسي الفلسطيني فلا مفاوضات ولا انتخابات ولا بناء سياسي بدونها.

الضامن المهم لميلاد مرحلة جديدة من المصالحة الوطنية هو الدور المصري الذي يلعب بفعالية في الإقليم وقد منح هذه المرة المصالحة جديّة وزخم وصل لإرسال وفود أمنية تتابع عن قرب.

ويرجح د. أحمد رفيق عوض المحلل السياسي أن تنجح الجولة الأولى من حوار القاهرة لأن كل من فتح وحماس يعيش أزمة، ومصر تمنح زخماً لإبرام مصالحة.

ورغم أن الناس في قطاع غزة يتطلعون للتمتع بساعات كهرباء إضافية وتسهيل حركة السفر والعلاج وتحسّن المعيشة والاقتصاد بتوفير فرص عمل إلا أن السياسيين دخلوا مرحلة جديدة من العمل والضغط المتواصل يؤسسون خلاله إستراتيجية جديدة من العمل محفوفة بالمخاطر.