تصغير الخط تكبير الخط


رشا فرحات

لطالما أسقطنا على واقعنا الفلسطيني صفة الملائكية، وبقينا ندور في دوامة الصورة الواحدة، المجتمع المناضل، المجاهد، المقاوم، الصابر، المقاوم بالحجر، المقاوم بالسلاح، المقاوم بالأنفاق، ولكن هذه المرة، المقاوم بشكل آخر، في حقبة زمنية ليست مختلفة كليا عن ما تعيشه المخيمات اليوم، هذا ما قدمه يسري الغول في روايته غزة 87.

 

فيسري الغول سلط الضوء على عمال (إسرائيل)، الفئة التي اضطرت للعمل داخل الخط الأخضر، ما لها وما عليها، وكيف تم استغلالهم بإسقاطهم عن طريق اغواء الفتيات الإسرائيليات لهم، وكيف اضطرتهم الظروف للقبول، تحت ضغوط سياسية واجتماعية، وربما تحت ضغط الفقر، والذي أراه أكثر المبررات اقناعا.

 

الجميل في الرواية أنها تظهر الفلسطيني الانسان، وليس الفلسطيني الخارق، فهو أيضا يمكنه أن يقع في فخ المرأة، أو فخ الحب، أو فخ الحاجة والقبول بشيء يخالف اعتقاداته، لأنه محتاج، محتاج ماديا، ومحروم جسديا، ومكبوت في منزل من الاسبست، وليس أمامه الا العمل في (إسرائيل) لتغيير واقعه.

 

أسلوب الرواية جميل وبديع، وشدني حتى السطر الأخير، وأعتقد أنها بداية موفقة، على الرغم من أن الغول لم يستطع الخروج فيها من قالب القصة القصيرة، ربما لم يكن هذا سهلا على كاتب اتقن فن القصة القصيرة ليتحول الى كتابة الرواية، وقد ظهر جليا في افتقاد الرواية عنصر الوصف والسرد العميق، فلقد شعرت انا أثناء القراءة باني محتاجة لكثير من التفاصيل، محتاجة لكثير من الوصف، وصف يليق برواية اسمها غزة 87، فبدا لي الاسم أكبر كثيرا من المحتوى.

 

في الجزء الأول من الرواية وفي 71 صفحة يستعرض الغول واقع عمال (إسرائيل)، ويظهر الصورة الأخرى للمجتمع اليهودي بما فيه من تناقضات، ويسلط الضوء على الشخصية الإسرائيلية بشكل جيد، وعلى الفكر الإسرائيلي المختلف اختلاف أفراده القادمين من مجتمعات مختلفة، والعنصرية الفكرية ونسبة وجودها بين فرد وآخر.

 

ثم ينتقل الغول للجزء الثاني من الرواية، وهنا تأتي كل التفاصيل القيمة التي كنت أتساءل عنها في الجزء الأول، ففي مرة واحدة وفي اقل من 80 صفحة يصب يسري الغول كل الأحداث السياسية في جوانبها، على عجل، وعلى حساب جمالية السرد! فتظهر المقاومة سريعا، والتنظيم سريعا، والاعتقال سريعا، ثم انتهاء الانتفاضة، وبدء مرحلة أوسلو سريعا ! بما فيها من تعويضات، ظهرت في نهاية الرواية وكأنها نهاية للمأساة، وتعويض عن الحرمان الطويل، وبداية ولا أجمل، مع أن أوسلو ليست نهاية جميلة لرواية مأساوية، ولكن الغول أظهرها بهذا المظهر ! لا أدري ما الهدف ؟!

 

وبما ان أحداث الرواية تدور في مخيم الشاطئ، وأنا ابنة المخيم التي لم تعش فيه، أبحث دوما عن كل ما يكتب عن المخيمات من روايات وقصص لأدخل الى تلك الذكريات الجميلة التي كنا نقضيها في المخيمات، إلى جانب أترابنا، وكل التفاصيل الموجودة هناك، تحت الاسقف الاسبستية، الى أفران الخبز، الى طوابير المؤن الى هرطقات الجيران، إلى أحلام طويلة لا تنتهي، وتفاصيل الطعام والشراب وأوجاع التهجير، ووظيفة وكالة الغوث، والهجرة لمكان أفضل، والحرمان من لقمة العيش، كل تلك التفاصيل الكثيرة الوفيرة، لم أجدها في الرواية، ولم أشعر مطلقا بأني أسير في زقاقات المخيم.

 

أجل، كان هناك عيب كبير في الرواية، فلقد كان ينقصها نفس أطول، ووصف أكبر، ولم يكن ذلك بالصعب على كاتب مثل يسري الغول، ولكنه للأسف لم يعط التفاصيل حقها من الوصف، والسرد العميق، فظهر وكأنه يريد أن يسرد أكبر قدر من التفاصيل بأقل قدر من السطور، مما أفقد الرواية جمالها.

 

بقي أن أذكر ان الكاتب والقاص يسري الغول من مواليد 1980 وحاصل على بكالوريوس في اللغة الإنجليزية والماجستير في دراسات الشرق الأوسط وله أربع مجموعات قصصية، وتعتبر رواية غزة 87  العمل الروائي الأول.