تصغير الخط تكبير الخط
الرسالة نت

 

بقلم/ اسلام مهنا

الحلوى المفضّلة التي كان يبتاعها لها، نبرة صوته وهو يعُدّ إلى العشرة فيما هي تحلّق نحو السماء فوق الأرجوحة، ابتسامتها اللامعة كلّما قابلتْ عيناها عينيْه وهي تدور حوله محمولةً على كفّيه، وتقاسيم وجهه المعبّقة بالفرحة حين كانت تغنّي له. كلّ هذه الذكريات غادرت وعيها حين لمحتْ وجهه من باب الغرفة المفتوحِ قليلاً.

 

أدارت وجهها عن الباب مع شهقةٍ تشي بدهشتها الشّديدة. احتلّ شريط الذكريات وعيها ثانيةً، كلُّ شيءٍ يمرّ أمامها كما لو كان فيلماً سينمائياً، كل شيءٍ عدا لحظة وداعِهما! أيقظها من شرودها صوتُ أخيها يطلب منها الدخول.

 

تقدّمت نحو الغرفة ببطءٍ يفضحُ تردّدها، لم تكن واثقةً بقدرتها على مقارعة مخاوفها حين تلتقي عيناه بعينيها بعد عامين من الفراق. تجاوزت الباب نحو السرير، عيناها مثبّتتان نحو الأرض. وصلتْ حافّة السرير الجانبية، ووقفت قريباً من رأسه. ستدرك فيما بعد أن الجميع غادروا الغرفةَ برغبةٍ منه، وأنّهما وحيدان مع صوتٍ يشبه دقّاتِ قلبها.

 

حاولتْ جاهدةً أن ترفع رأسها الثقيل، لكنّ مخاوفها حالت دون ذلك، ولربّما كانت تنتظر سماعه يهمس باسمها كي تتأكدَ أنه هوَ. لم يخيّب ظنّها -ولم يفعل من قبلُ إلا حين تركها قبل عامين باحثاً عن نفسه في مكانٍ بعيدٍ عن قلبها- وهمس باسمها بصوتٍ يشبه ذاك الذي يصدرُ عن المقيمين بين الموت والحياة.

 

ارتعشتْ خلاياها لبُرْهة، لكنْ سرعانَ ما استحالتْ مخاوفُها طمأنينةً؛ إذ بالرغم من أنها تكبُر فراقَهما بضعَ سنواتٍ، إلا أنها استطاعت التعرّف على صوته. هو نفسه ذاك الصوت الذي كان يعدّ إلى العشرة، وينادي عليها حين كانت تختبئ خلف باب البنايةِ خجلاً منه.

 

رفعتْ رأسها أخيراً، فكان أوّلُ ما التقطتْه عيناها الضوءَ الذي انعكس عن ابتسامتِه، ثم التقت عيونُهما كما لو كان الأمس آخر يومٍ لالتقائهما. انتبهت بعد لحظاتٍ إلى لحيته السوداء التي لم ترها من قبل، ثم همست بصوتها الطفوليّ باسمه كما كانت تفعل حين تشتهي الحلوى، وشرعت تمرّر يدها الصغيرةَ على لِحْيَته -كأنما تتعرّف على لعبةٍ جديدة-، فما كان منه إلا أنْ وضع يدَه اليمنى الموصولةَ بأنبوبٍ فوق يدِها بلطفٍ، وحملها وعيناه لا زالتا لم تفارق عينيها، ثم قبّلها بعد أن أغمض عينيه استعداداً لاستقبال جرعة دواءٍ يدرك أنها تختلف عن الجرعات التي كان يستقبلها كلّ ثلاثة أيامٍ هناك قبل أن يعود.

 

'سجى'

أيقظني أخي -على غير العادة- قبل طلوعِ الصبح. كانت المرّة الأولى التي يتقابل فيها عقربا الساعة عند الثانية عشرة أمام عينيّ ليلًا. ظللتُ أراقب ساعة الحائط إلى أن اخترقتْ أذنيَّ أمواجُ صوتِ أخي: "عادَ أسامة."

 

شعرتُ برعشةٍ هزّت قلبي، واختلطتْ عواطفي، وفي اللحظة التي قرّرت فيها أنّ هذا خبرٌ يقتضي سعادتي، تابعَ: "يرغب برؤيتكِ قبل أن ..."

انعقد لسانه، وتبعثرت نظراته. كسرتُ الصمتَ وقد علتْ وجهي غمامة حزنٍ: "سيرحل مجددًا، أليس كذلك؟" ردّ سريعًا كأنما وجد ضالّته بين كلماتي: "نعم، ولذا يرغب برؤيتكِ قبل الرحيل"

 

طارتْ بنا سيارةُ الأجرة نحو أسامة. كان أخي شاردَ الذهن، وأنا كنت أحاول رسم شيءٍ مما تعلّمته على زجاج النافذة المبلّلة من الخارج بينما مسّاحاتُ الزجاجِ الأماميةِ تتراقص يمينًا ويسارًا. توقّفتْ يدي عن الرسم فجأةً، وبدأتْ كتائبُ الذكريات تهاجم وعيي. لم أُبْدِ أيّ مقاومة، بل أذِنْتُ لها باستعماري واحدةً تلو الأخرى.

 

ظلّت الذكريات مستقرةً داخل وعيي إلى أن أخبرني أخي بوصولنا. استرقْتُ النظر من النافذة فوجدتُ المكان مألوفًا لديّ. ساعدني أخي على الترجّل، ثمّ دَنَوْنا من بابٍ كبير. توقفتُ، أعرف هذا المكان، أعرفه جيدًا! رميتُ أخي بنظرةٍ اندهاش، لم يكنْ بإمكانه إخفاءُ الأمر أكثر. ردّ كأنّما يزيح عن قلبه همًا: "نعم، نفسُ المشفى التي ودّعنا فيها جدَّنا."

 

تسارعتْ نبضات قلبي سريعًا، وشعرت بقشعريرةٍ دامت أكثرَ من المعتاد. حاولتُ طرد الأفكار السيّئة من رأسي قائلةً: "أنت تمزح، أليس كذلك؟"

ردّ بصوتٍ ممزوجٍ بالجدّية والحزن: "أعلمُ أنّكِ صغيرةٌ على مثل هذه الوداعات، لكنّها الحياة!"

لربّما أراد القولَ أنّ حزن الوداع لا يليق بالصغار، لكنّه لا يليق بأحد! الوداع أمرٌ حتميّ، أمّا الحزن فهو عاطفةٌ يمكن السيطرة عليها، أو السماح لها بإضعافنا. لدى كبار السنّ قدرةٌ مدهشةٌ على كبح أحزانهم، أمّا نحن فنطلقُ العنان لها كي تنهشَ قلوبنا، لكنّ ما يميّزنا أنّنا ننسى سريعاً!

 

'غسّان'

زخّات المطر لم تَكَدْ تنقطع تلك الليلة. أغلقتُ الكتابَ وجلستُ قرب النافذة كيْ أتصيّد القمر بين الغيوم السوداء، يبدو أجمل بكثيرٍ في الليالي الماطرة. تذكّرت اختبار الثامنة صباحًا، فهرعتُ أنظّف أسناني، ثم ألقيْتُ جسدي المنهكَ على السّرير وأغمضتُ عينيَّ. مضتْ ثوانٍ قليلةٌ أعقبها رنين هاتفي، رقمٌ غيرُ محفوظ! فكّرت بادئ الأمر ألّا أردَّ؛ لكنّ شيئًا ما منعني!

 

"أعتذر عن إزعاجك في هذا الوقت المتأخر، أسامة في مشفى الأورام، يرغب برؤية سجى قبل أن يفارق الحياة، هلّا حضرتم بسرعة؟"

بدا الأمر ككابوسٍ، لكنّه لا يشبه الكوابيسَ التي تنتهز ضعفي ليلة أيّ اختبار. نهضتُ مفزوعًا، ثم ذهبتُ إلى حيث تنام سجى. يا إلهي! كيف سأوقظُ طفلةً تنام كملاكٍ وأخبرُها أنّ أحدًا ما يرغب برؤيتها قبل أن يموت؟ أليستْ هذه جريمةٌ بحدّ ذاتها؟ لكنّ تركه يموتُ دون رؤيتها جريمةٌ أكبر.

 

لم أفكّر في الأمر كثيرًا، أيقظتُها بلطفٍ كي لا تفزع. كان أوّل ما قامت به أنها وجّهتْ نظرَها نحو ساعة الحائط، ثم ارتسمتْ على وجهها ابتسامةٌ خفيفة. أخبرتها بعودة أسامة، استغرق الأمر ثوانٍ كي تستوعبَ ما قلتُه. تابعتُ: "يرغب برؤيتكِ قبل أن ..."

كان يجب أن أقف هنا طويلًا كيْ أنتقيَ مُفردَةً يسهل على عقلها الصغير هضمها. الرحيل! نعم يا سجى، هذا ما كنتُ أبحث عنه.

 

في الطريق نحو المشفى هدأتْ أمواجُ عواطفي قليلًا، فلاحتْ في الأفق أسئلةٌ كثيرةٌ تقتربُ شيئًا فشيئًا نحو شاطئ وعيي. متى عاد؟ لِم لمْ يخبرنا أحدٌ بمرضه؟ وكيف لقلب سجى الصغير أن يتحمّل لحظةَ وداعٍ كهذه؟

 

أخبرني السائق بوصولنا فأعطيتُه الأُجرةَ وترجّلتُ، ثم ساعدتُ سجى على الترجّل. لمّا اقتربنا من باب المشفى توقّفتْ سجى، كانتْ زيارتها الأولى قبل أسبوعين فقطْ. نظرَتْ إليّ وقد غزتْ أمواج الدهشة بحار عينيْها، أكّدْتُ لها صحّة ما دار في خَلَدها. بدا الأمر لها كمزحة، مسكينةٌ أنتِ يا سجى، أعان الله قلبكِ الصغير. الحياة مليئةٌ باللحظات الصعبة، ولحظات الوداع أقساها!

 

وصلنا أخيرًا إلى غرفة أسامة، كان الباب مفتوحًا قليلًا. لمحتُه يرقد على السرير، موصولٌ بالأجهزة، حوله بعض أفراد أسرته. التفتُّ إلى سجى، فوجدتها غارقةً في الشرود. انتشلتُ ما تبقى منها طالباً منها الدخول، أمّا أنا فلمْ يكن بوسعي سوى البقاء والدعاء، الدعاء أن يكون كلّ هذا مجرّدَ كابوس!

 

اللقاء الأخير

تناثرتْ الذكرياتُ كنجومٍ ثاقبة. شرعَ يعاينها كطفلٍ يواجه السماء لأوّل مرّة، كلّما أدار بصرَه تراقصَ لمعانُها. حاول بشقاوةٍ عفويةٍ أنْ يلتقطَ إحداها لكنْ دون جدوى. تسرّبتْ شحناتٌ من القلق إلى قلبه المثقلِ بالمرض. هذه إشارةٌ على نهايةٍ موشكة، همسَ لنفسه.

 

"هل يمكن للذكريات أن تتمرّدَ على عقل صاحبها فتطيحَ بسلطتهِ عليها؟" تساءلَ -بصوتٍ مكْسُوٍّ بالحزن- بعد أن أنأى يدها الصغيرة عن ثغره. عيناه لا تزالا مغلقتيْن، تأملان بإجابةٍ تُخْمِد الثورة السلميّة لذكرياته. تسيّدَ المكانَ صمتٌ مُنتظَر. كانت كلماتُ أسامة لغزاً عسيراً بالنسبة لها، لذا رجّحت ترك السؤال عارياً بلا جواب.

 

"أسامة، لمَ رحلتَ؟" سألتْ سجى بصوتٍ شاحبٍ يشي برغبةٍ حارقةٍ في البكاء. كانتْ تأملُ بالعثور على القطعة الناقصة لأحجيةِ ذكرياتها مع أسامة، لعلّ عِلّة الرحيل ترسم مشهد الوداع على رمال شاطئ ذاكرتها قصيرة المدى، أو تنقشه على صخر ذاكرتها طويلة المدى، وما بين هذا وذاك حياةٌ أو موتٌ بطيء.

 

كان السؤال بمثابةِ ضربةٍ قاضيةٍ لأسامة. انفتحت عيناه ذهولاً، تسارعت دقاتُ قلبه كأنّما تهرب من وحشٍ يلاحقها، وسرتْ رعشةٔ هزّتْ أوصاله. اعتاد على أن يقابل أسئلتها البريئةَ بابتسامةٍ عفوية، لكنّ هذا السؤال كان كليْلٍ سبقه ألفُ نهار. "البراءةُ كالحبّ، مثاليةٌ لكنّها مُرّةٌ في بعض الأحيان" حدّث نفسه.

 

تزاحمت أعذارٌ كثيرةٌ عند بوابة شفتيْه كانت على وشك التحرّر بأمرٍ من الأنا، لكنّ الأنا العليا أوقفَتْها. وجدانُه يدركُ جيداً أنّ الأعذار لا تعدو كونها كذباتٍ منكّهةٍ بمفرداتٍ تستدعي الاستعطاف، وأنّ الكذب على الأطفال ذنبٌ لا تغفره السِّنون. "لا عذرَ للرحيل." صارح نفسه بتهكّم.

 

 حاول الاعتدال في جلسته لكنّه لم يستطع. بدأ يشعر بغرابةٍ حوله، أصواتٌ لم يسمعْ مثلها من قبل وأطيافُ مشاهدَ لم يبصرْها من قبل. شرع يهمهمُ بكلماتٍ غيرِ مفهومة. تملّك الصغيرةَ خوفٌ شديدٌ فتمسّكت بيده بحثاً عن السّكينة. لم تكنْ تعلمُ أنها هي من يمنح السكينةَ لقلبه وهو يواجه الموت. رمقَها ثم لفظَ كلماته الأخيرة: "كنتُ أحمقاً وها أنا مجبرٌ على فعلها مجدداً! تذكّري أني أحبّكِ."

 

رحل أسامة من عالمٍ يشوبُه الرحيل ليَسْكنَ عالم اللارحيل، لكنّ ذكراه تجذرّت في عقل سجى الصغيرة، فارتوى قلبها بالحبّ النّقي. الذكريات الطيّبة كشجرةٍ طيبةٍ؛ أصلها ثابتٌ وفرعُها في عقول الخلائق، تُؤتي سعادةً تلقائيةً كلّما تسلّلت سرّاً إلى وعيهم.