تصغير الخط تكبير الخط
​تحقيق-محمد العرابيد

تفتقد غالبية محلات بيع "الدواجن" المنتشرة في أسواق وشوارع قطاع غزة إجمالاً للمعايير الصحية وسط عجز الجهات المختصة عن ضبط التجاوزات في هذا الجانب رغم إغلاق العشرات من المذابح، الأمر الذي يضع صحة وسلامة المواطنين على المحك، لاسيما أن بيئة عمل المذابح تعد تربة خصبة لانتشار الميكروبات. 

وحين تزور مذابح ومحلات بيع الدجاج سيلفت انتباهك وجود "رائحة كريهة، وطاولة تكسوها الدماء والذباب، ومياه ساخنة يغلب عليها السواد"، وهكذا كان الحال مع عدد من المواطنين الذين تجمعوا في محل لا تتجاوز مساحته الأربعة أمتار في سوق الشيخ رضوان بمدينة غزة لشراء الدجاج، إذ كانت تحيط بهم صناديق الدجاج.

"الرسالة" اقتربت من محل بيع الدجاج في سوق الشيخ رضوان، ولاحظت وجود روائح كريهة، إضافة لضيق المكان، وغياب المعايير الصحية التي تستخدم في تنظيف الدواجن حتى لا تنقل الأمراض للمواطنين.

المواطنون المجاورون لسوق الشيح رضوان يشتكون باستمرار من الروائح الكريهة وانتشار الذباب في أماكن بيع الدجاج، وذلك بسبب إهمال النظافة وعدم إلقاء مخلفات الدجاج في حاويات مخصصة.

ويقول المواطن خليل إرحيم الذي يقطن على بعد أمتار من السوق:" نعاني من الروائح الكريهة، وانتشار الذباب والحشرات ليلا ونهارا في أماكن محلات بيع "الدواجن"، بسبب إهمال أصحابها للنظافة".

وأوضح المواطن إرحيم في حديث لـمعد التحقيق، أنهم يخشون على أطفالهم أن يصيبهم المرض بسبب انتشار الحشرات والروائح الكريهة في المكان، مضيفا:" لا نستطيع أن نفتح النوافذ لا في النهار ولا في الليل بسبب الروائح والحشرات".

وأكد أن السكان الذين يقطنون بجوار سوق الشيخ رضوان، قدموا اعتراضا للبلدية والجهات المختصة لما يحدث من إهمال في نظافة محلات الدجاج، إلا أن الجهات المختصة لم تفعل شيئاً، وفق قوله.

الطب الوقائي بالصحة: بعض محلات "الدواجن" تهمل شروط السلامة الصحية

مشهد الإهمال في محلات الدجاج في غزة، دفع "الرسالة" إلى البحث عن الجهات المسؤولة عن متابعتهم، وعن غياب المعايير الصحية التي يجب أن يلتزم بها أصحاب المذابح، ومدى وجود رقابة من جهات الاختصاص عليها.

وباشر معد التحقيق في البحث عن الأسباب التي تتيح لأصحاب المذابح المجال لإهمال المعايير الصحية، حيث التقى بأحد أصحاب محلات بيع الدجاج في سوق معسكر الشاطئ غرب مدينة غزة، إذ أقر بأن أصحاب محلات الدجاج يستغلون عدم وجود رقابة من الجهات المختصة، ويهملون في تنظيف المذابح بشكل مستمر.

وأضاف:" أصحاب محلات الدجاج بغزة يحاولون من خلال الإهمال تخفيف مصاريف شراء مواد التنظيف المعقمة لماكينة تنظيف الدجاج، وشراء حاويات خاصة للمخلفات، وتخصيص عامل مهمته المحافظة على نظافة المذبح".

"الرسالة" لاحظت خلال جولتها في سوق الشيخ رضوان والشاطئ ومعسكر جباليا، وجود أكثر من 40 محلاً لبيع الدواجن أغلبها غير مرخصة، ولا يستخدم أصحابها أيا من وسائل النظافة في المكان، كما لاحظت أن الدجاج الحي بأقفاص مجاورة لـ "طاولة" الذبح الملاصقة لماكينة تنظيف الدجاج، إلى جانب اسطوانة "فضية" يوجد بها مياه ساخنة يغلب عليها السواد ويعوم فيها بعض الريش الأبيض الصغير، فضلاً عن وجود "برميل" بجوار ماكينة التنظيف يحتوي أحشاء الدجاج المذبوح خلال اليوم.

وتنتشر في قطاع غزة الذي يزيد عدد سكانه عن مليوني مواطن، محلات ومذابح دجاج، بعيدة عن المواصفات الصحية المصرح بها من وزارة الصحة بغزة، وكذلك وزارة الاقتصاد الوطني، التي تفتقر إلى أرقام حول أعداد هذه المحلات والمذابح غير المرخصة بغزة.

آلية الرقابة

معد التحقيق توجه إلى مدير عام دائرة المستهلك في وزارة الاقتصاد بغزة الدكتور رائد الجزار، للاستفسار عن آلية الرقابة على محلات ومذابح الدجاج، حيث قال:" يوجد في غزة المئات منها عشوائية".

مباحث التموين: أغلقنا محلات لبيع "الدواجن" لعدم التزامها بالشروط الصحية

وأشار الجزار في حديث لمعد التحقيق، إلى أن عملهم يقتصر على الحفاظ على أسعار الدواجن في الأسواق، والرقابة على الميزان، مؤكدا أن متابعتها من الناحية الصحية من اختصاص الطب الوقائي في وزارة الصحة الذي يتحمل جزءا كبيرا من هذه الإشكالية.

وخلال البحث عن الجهة المسؤولة التقت "الرسالة" بمصدر مسؤول مطلع على متابعة الأغذية في أسواق غزة، حيث قال:" إن متابعة ملف محلات بيع الدواجن في غزة مهمل من قبل الجهات المختصة".

مختص بالطب الوقائي: الإهمال في نظافة محلات "الدواجن" تسبب أمراض للمواطنين

وأوضح المصدر أن الجهات المختصة تهمل هذا الملف وذلك بتحججها لعدم وجود إمكانيات بشرية ومادية، مؤكدا أن هذا الملف بحاجة إلى فرض إجراءات صارمة.

ويبلغ معدل استهلاك الدجاج اللاحم في قطاع غزة أسبوعياً 530 ألف دجاجة بحصيلة شهرية تقدر بـ 2,120,000 (مليونين ومئة وعشرين ألف دجاجة)، لتصل إلى ما يقدر سنوياً بـ 25,440 مليون دجاجة (خمسة وعشرين مليون وأربعمئة وأربعين ألف دجاجة) وفق إحصائية لوزارة الزراعة.

هناك تجاوزات من المحلات

"الرسالة" توجهت إلى رئيس قسم الطب الوقائي "مراقبة الأغذية" في وزارة الصحة بغزة المهندس زكي مدوخ، حيث أكد وجود شروط معينة لعمل محلات ذبح "الدواجن" وبيعها، ولا تُمنح ترخيصاً إلا بوجودها.

مصدر مسؤول: يوجد إهمال بمتابعة محلات "الدواجن" ومتابعتها يحتاج خطة مشددة

وقال مدوخ لمعد التحقيق: "يجب أن يكون المكان المستخدم كمحل لبيع الدجاج على قدر كبير من النظافة، سواء أرضه أو جدرانه وسقفه، إضافة إلى ضرورة توفر المياه الجارية فيه، مع التصريف الجيد، وأن يكون المحيط حول المكان نظيفاً كذلك، ومن الشروط الأساسية أن يعزل الدجاج الحي عن مكان الذبح، ويعزل بالتالي مكان الذبح عن البيع".

وأضاف:" بعض محلات بيع الدواجن في غزة تهمل جانب النظافة، عدا عن وجود الدجاج الحي بذات مكان الذبح، الأمر الذي يساعد على انتقال الأمراض بصورة أسرع، فريش الدجاج عادة لا يكون نظيفاً، وتلك الظروف كلها ملائمة، وجو صالح لانتشار الميكروبات".

وأكد مدوخ وجود مخالفات وتجاوزات من أصحاب محلات الدجاج عبر إهمالهم في تنظيف المكان وتجاهل المواصفات الصحية، مؤكدا أن طواقمه أغلقت العشرات من محلات الدجاج في أسواق قطاع غزة.

وأشار مدوخ أن هناك مشاكل تواجه طواقمه من نقص الإمكانيات اللوجستية والكادر البشري بشكل كبير، ما يؤدي إلى ضعف الرقابة في الأسواق.

وبين أن طواقمه رغم النقص الكبير إلا أنها تمارس مهامها بشكل كبير، وتجري جولات شبه يومية على محلات بيع "الدواجن" في الأسواق والشوارع.

وأوضح أن طواقمه تتابع هذا الموضوع بشكل كبير بالتنسيق مع الجهات المشتركة وهي بلدية غزة، ووزارة الاقتصاد الوطني، منوها إلى أنه طواقمه أخطرت قبل يومين أكثر من محل لبيع "الدواجن" في غزة. ولفت إلى أن اختصاص طواقم الطب الوقائي هي متابعة نظافة محلات بيع "الدواجن" من الداخل، والنظافة الخارجية هي من اختصاص طواقم البلدية.

الإهمال تسبب أمراضا

البحث عن طرق الوقاية من هذه الأمراض قادت معد التحقيق إلى لقاء المختص في قسم الطب الوقائي بوزارة الصحة طارق السردي الذي أكد خطر الإهمال الممارس من قبل محلات بيع اللحوم في متابعة إجراءات النظافة الذي قد يسبب أمراضا للإنسان.

وأوضح السردي أن لحوم الدواجن في المحلات غير المهتمة بالنظافة تسبب عددا من الأمراض منها بكتيريا السالمونيلا (Salmonella)، وهي أمراض يسببها الجو المحيط أو الذي تكون فيه اللحوم، ومنها بكل تأكيد الدجاج.

صاحب محل: إهمال المراقبة دفع أصحاب المحلات للتخفيف من مصاريف تنظيف وتعقيم المحلات

وأكد أن بقايا مخلفات الدواجن بعد الذبح يجب أن تكون في حاويات مخصصة بعيدة عن الدجاج الحي، وذلك حتى لا تنقل البكتيريا وتزيد من إصابة الدجاج السليم بالأمراض.

وأضاف السردي: "يمكن للإنسان العادي أن يميّز تلوث اللحوم من لزوجة اللحوم غير الطبيعية، والرائحة التي تشبه رائحة الأسماك، أو ما يصطلح عاميا بـ " الزناخة"، ولكن كمعايير صحية ونسبة التلوث في اللحوم، تحتاج إلى فحص مخبري وأجهزة خاصة تكشف نسبة التلوث، والإنسان العادي غير قادر على التحقق منها".

وأكد أنه من الأفضل لصحة الإنسان أن تكون اللحوم خالية تماماً من البكتيريا، مستدركاً "هذا ليس إعجازاً، أو صعب الحدوث، إذ يمكن تحقيق ذلك إذا حفظت اللحوم في ثلاجات".

دائرة حماية المستهلك: دورنا المحافظة على الأسعار والصحة والبلدية هي المسؤولة

وعن إمكانية التخلص من التلوث الذي يصيب الدجاج بطبخه الجيد، رد السردي قائلاً:" بعض البكتيريا في اللحوم تقتل بالغلي والطبخ، أو التعرض لدرجات حرارة مرتفعة".

وفي إشارة منه لأعراض الأمراض التي يُمكن أن يصاب بها الإنسان حال تناوله لحوما ملوثة، قال "البيئة الملوثة في مّحال بيع اللحوم المكشوفة في قطاع غزة، هي صالحة لانتقال الأمراض للمواطن".

وتشير عدد من الدراسات أن اللحوم عرضة للتلوث أكثر في البيئة عالية التلوث مثل الأسواق، وأن نسبة الحمولة الجرثومية المقبولة في كيلو لحمة، تعادل مليون، ورغم عدم صِحّيتها إلا أنها تقبل، وإذا زادت عن هذه النسبة تكون مخالفة، وغير صالحة للاستخدام الآدمي.

إغلاق محلات مخالفة

وخلال البحث عن الجهة المسؤولة لمتابعة محلات ومذابح الدجاج، التقت "الرسالة" المقدم محمد المعصوابي مدير مباحث التموين والمعادن الثمينة في الشرطة بغزة، حيث أقر أن الطواقم الفنية أغلقت العشرات من محلات ومذابح الدجاج، بسبب عدم اتباعها المعايير الصحية.

وأوضح أن هناك تعاونًا مستمرًا مع وزارة الاقتصاد والصحة والبلدية، مما يساعد في الكشف عن أصحاب المحلات الذين يهملون في النظافة، مضيفًا: "أثناء جولاتنا الميدانية نفتش على المذابح والمحلات داخل مدينة غزة للتأكد من السلامة العامة".

وعن الإجراءات المتبعة، أشار المقدم المعصوابي إلى أنهم يحذرون أصحاب المحلات والمذابح المخالفة من عدم اتباع الإجراءات الصحية السليمة، وفي حال لم يلتزموا يجري فرض غرامات مالية عليهم تحددها النيابة العامة وفق القانون الفلسطيني.

بلدية غزة: دورنا يقتصر على ترخيص محلات بيع "الدواجن"

وقد لا يتبادر إلى أذهان المواطنين في غزة أن أغلب محلات بيع الدجاج في أسواق غزة، لا تستخدم أي وسائل صحية لحماية المواطن من أي عدوة قد تنقل لهم وتهدد حياتهم.

جولة البحث قادت "الرسالة" إلى بلدية غزة، باعتبارها المسؤولة عن ترخيص هذه المحلات، وهناك قال رشاد عيد رئيس قسم مراقبة الأغذية والتراخيص المهنية والصحية في البلدية، "إن مراقبة محلات الدجاج من اختصاص وزارتي الصحة والاقتصاد بشكل أكبر".

وأشار عيد في حديثه مع "الرسالة" إلى أن طواقم البلدية تجري حملات رقابية على محلات بيع الدواجن من الناحية الفنية ومعايير السلامة الصحية.

وذكر عيد أن البلدية لا تعطي تراخيص للمحلات والمذابح، إلا بعد أن يحصل أصحابها على ترخيص معتمد من الاقتصاد والصحة، مؤكدا أن مئات محلات بيع الدواجن في غزة غير مرخصة، ولا توجد جهات مختصة تتابعها باستمرار، وفق قوله.

ولا شك أن الجهات المختصة مطالبة بمضاعفة جهودها في ضبط محلات بيع الدواجن في غزة، والتأكد من التزامها بالمعايير الصحية، وذلك حفاظاً على سلامة المواطنين من الأمراض التي ترهق وزارة الصحة لاحقاً بمعالجتها.

وعود بالقضاء على الظاهرة

وبالعودة إلى المقدم محمد المعصوابي مدير مباحث التموين والمعادن الثمينة في الشرطة بغزة، فقد قال:" لابد من توحيد الجهود بين الوزارات والجهات المختصة، لمتابعة موضوع محلات بيع الدوان في غزة، حتى نسهل من عملية المراقبة".

وأوضح المعصوابي، أن توحيد الجهود من جميع الجهات المختصة يساعد بتقليل استنزاف الكادر البشري في الوزرات، ما يساعد في تسليط الرقابة أكثر على محلات بيع الدواجن.

وأضاف في حديث لمعد التحقيق: "هذا الإهمال يشكل خطورة على حياة المواطنين، لذلك سنعمل بجهد مع جميع الجهات على إغلاق المذابح المخالفة".

أما رئيس قسم الطب الوقائي "مراقبة الأغذية" في وزارة الصحة بغزة المهندس زكي مدوخ، فأكد أن طواقمه ستعمل خلال الأسابيع المقبلة على حملات مكثفة على الأسواق لمراقبة محلات بيع "الدواجن" في غزة.

واستنتاجًا مما سبق، فإن حجم الضرر الذي يهدد صحة المواطن في غزة وسلامته، من غياب الرقابة على محلات بيع "الدواجن" في غزة، يفرض المبادرة بتشكيل لجنة من الجهات المختصة تكون مهمتها متابعة المذابح، وفرض إجراءات تضبط عمل السلامة.

إضافة إلى ضرورة فرض عقوبات مشددة على محلات بيع "الدواجن" حال عدم استخدامها منظفات ومواد معقمة للتقليل من تنقل البكتيريا إلى الدواجن الحية، ثم إلى المواطنين، إضافة إلى عدم إغفال رفع مستوى الوعي لدى المواطنين حول خطر هذه المحلات.

ويجدر بالجهات المعنية في وزارة الصحة أن توضع برنامج للتفتيش على محلات الدجاج باستمرار.