تصغير الخط تكبير الخط
الرسالة نت- أحمد الكومي

يواصل قادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح إثارة الجدل في الشارع الفلسطيني بتصريحات تختزن كمّا كبيرا من علامات الاستفهام حول المصالحة وإدارتها في القطاع، والطلب هذه المرّة "تمكين كامل في غزة"!

وردت هذه الصيغة على لسان الرئيس محمود عباس ورئيس وزرائه رامي الحمد الله في غضون أسبوع واحد، فيما يبدو أنها سياسة متفق عليها، لا يمكن تصنيفها غير أنها تدخل في إطار الابتزاز السياسي. فقال أبو مازن، خلال مهرجان ذكرى رحيل الرئيس ياسر عرفات "إن التنفيذ الدقيق والتمكين الكامل لحكومة التوافق سيقود لتخفيف المعاناة عن قطاع غزة".

بينما أعلن الحمد الله أن "الحكومة تحتاج إلى تمكين كامل غير منقوص في غزة"، وقال الخميس الماضي، إنه "لا يمكن أن تعمل المعابر في القطاع دون أمن كما عليه الحال، ودون سيطرة فعلية للأجهزة الأمنية فيها".

تزامن ذلك مع تصريح مماثل صدر عن اللواء حازم عطا الله المدير العام للشرطة الفلسطينية في الضفة المحتلة، الذي طالب "بنزع سلاح حركة حماس من أجل اتفاق المصالحة"، وقال: "نتحدث عن سلطة واحدة، قانون واحد وسلاح واحد"، مكرراً بذلك تصريحات عباس.

وسبق هذه الأقوال، تصريح مشابه لنظمي مهنا، مدير عام المعابر والحدود في السلطة، الذي دعا إلى "أهمية حماية إنجاز تسلّم معابر قطاع غزة، بالانتشار السريع والتمكين الفعلي لقوى الأمن، وبسط سلطتها كاملة على المعابر والحدود".

لا يدرك المتحدثون أعلاه قدر الورطة التي أوقعوا فيها أنفسهم، حين نعلم أنه في الوقت الذي طالبوا فيه بتمكين كامل في غزة فإن شواهد السيادة المنقوصة بدأت تطل برأسها من الضفة المحتلة، ليجدوا أنفسهم مطالبين باختراع كذبة؛ للهروب من قسوة الواقع هناك!

فاللواء عطا الله فضّل الصمت على حادثة اعتقال شرطة الاحتلال العقيد "علي القيمري" مدير شرطة محافظة القدس وضواحيها في السلطة، على حاجز عسكري قرب الخليل، أثناء توجهه إلى منزله برام الله، الجمعة الماضي.

كما لن يجرؤ الحمد الله، رئيس الوزراء ووزير الداخلية، على تقديم تبرير لحادث اختطاف عناصر من جهاز المخابرات العامة بزي مدني، المحامي محمد حسين من محكمة صلح نابلس، الأسبوع الماضي، في الوقت الذي طالب فيه مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، الحمد الله بحلّ اللجنة الأمنية المشتركة، التي يرأسها؛ لانتهاكاتها المستمرة للحقوق والحريات في الضفة.

وفي الوقت الذي كان أبو مازن يخاطب فيه أنصار فتح الذين احتشدوا في ساحة السرايا وسط مدينة غزة لإحياء ذكرى عرفات السبت الماضي، كان أمن غزة في المحيط يتولى مهمة تأمين الحفل!

هذه الشواهد تضاف إلى قائمة طويلة من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة التي تنزع السيادة عن المطالبين بالتمكين في غزة، بدءا من الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي يمرون خلالها بعد تفتيشهم، وليس انتهاءً بحالات الفلتان الأمني هناك.

إن الانسجام اللافت في التصريحات يؤكد أن مطلب التمكين هو شكل من أشكال المماطلة والمراوغة التي تمارسها السلطة في ملف المصالحة، والتي حذّرت الجبهة الشعبية، في بيان صحافي مؤخرا، من أنها قد تفجّر الاتفاق!

كما أن مطالب التمكين لا تبدو معقولة أمام المرونة العالية التي تبديها حماس، والشواهد والأدلّة الماثلة التي قدّمتها الحركة في هذا الجانب، إلا إذا كان يُقصد منها الملف الأمني، مما يفسّر أننا أمام محاولة لتجزئة هذا الملف على حساب الشراكة الوطنية، وبما يخالف ما اتفق عليه في القاهرة بإنجاز قضية الأمن في غزة رزمة واحدة.

إن الصورة التي أظهرها مهرجان عرفات في غزة تقتضي أن تتقدم السلطة وحركة فتح سريعا في ملف المصالحة، وأن تقتنص هذه الفرصة لاحتواء القطاع، على ضوء حاجة المشروع الوطني الماسّة له، وبما تمثله غزة من إضافة وورقة قوة يمكن أن يستخدمها الرئيس أبو مازن في مواجهة الصلف الإسرائيلي بملف التسوية، إذا ما امتلك الإرادة الحقيقية لذلك.