تصغير الخط تكبير الخط
أمين بركة

الفلسطينيون قد لا يتذكرون عدد المرات التي حملت فيها الأخبار عناوين عن لقاءات للحوار بين الفصائل الفلسطينية، ولا عدد الساعات التي قُضيت لبحث سبل إنهاء الانقسام، ولا عدد اللحظات التي حُبست فيها الأنفاس في انتظار دخان أبيض يعلن عن تحقيق التوافق.

بغضّ النظر عن حسن النوايا والجدية لدى أطراف المصالحة المختلفة في تحقيق الوحدة وإنهاء الانقسام، فإنه حين يلتقي قادة الفصائل على صعيد واحد لإنجاز الوحدة المأمولة، ويقدم كل طرف خطوة للأمام، يتفاءل قطاع واسع من أبناء الشعب الفلسطيني الذين يسيئهم الانقسام ويؤثر سلباً على مختلف أوضاعهم الخاصة والعامة، ويجعلهم حين يرون مصافحة هذه الأطراف، كما لو كانوا أمام الفانوس السحري الذي سيحل كل مشاكلهم المعقدة.

وعلى مدى الأيام الأخيرة الماضية، نشطت لقاءات بين الفصائل الفلسطينية لبحث سبل إنجاح اتفاق المصالحة؛ ولكن رغم ذلك، توحي معطيات الحاضر بأن حركة فتح تتعنت في تطبيق ما اتفق عليه في القاهرة رغم كل الانتقادات التي وُجهت إليها، الأمر الذي يشكل حالة من الإحباط لدى قطاع واسع من الفلسطينيين في إمكانية الوصول إلى مصالحة حقيقية.

يتردد في وسائل الإعلام أنه وبالإضافة إلى مماطلة فتح في تنفيذ الاتفاقات، فإنها تحاول بكل ما أوتيت من قوة إلى تطويع "حماس"، رغم أن الأخيرة قدمت تنازلات قوية من أجل إنهاء الانقسام وأن معظم التصريحات التي تخرج من قيادات حماس تعبّر بدقة عن مدى الجدية في تحقيق الوحدة.

جاءت أولى بوادر التعنت الفتحاوي بُعيد تصريحات مسؤول ملف المصالحة في الحركة، عزام الأحمد، التي أكد فيها أن العمل في معابر قطاع غزة سيكون وفقاً لاتفاقية 2005، الأمر الذي رفضته حركة حماس وعدّته خروجاً عن حالة التوافق الوطني.

ثمة قضايا آخري لم تحلّ لحد اللحظة، مثل العقوبات التي فرضها رئيس السلطة محمود عباس على قطاع غزة، والاعتقالات السياسية المستمرة في الضفة الغربية، وملف "التقاعد المبكر" الذي بدأت حكومة رامي الحمد الله تطبيقه منذ عدة أشهر. وأيضاً، وضع تراجع رئيس حكومة التوافق الوطني، رامي الحمدالله عن وعوده بتشغيل معابر غزة ملفَ المصالحة على المحك، خاصة في ظل التنديد الفصائلي الواسع بهذه الخطوة التي عدت أنها عكس ما اتفق عليه في القاهرة مؤخراً.

إذا كانت فتح تتهرب من إنهاء ملفات سهلة في ملف المصالحة، فكيف سيكون الحال أمام القضايا المعقدة التي لم تناقش لحد اللحظة، وعلى رأسها انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية؟

يعتبر اللغم الآخر في ملف المصالحة، سلاح المقاومة في قطاع غزة؛ حيث يرفض عباس السماح بوجود سلاح موازٍ لسلاح السلطة الفلسطينية، في حين أن حركة حماس ومعها جميع فصائل المقاومة تؤكد أن هذا السلاح خط أحمر لا يمكن المساس به بأي حال من الأحوال. وتؤكد هذه الفصائل ضرورة التوافق على الحفاظ على سلاح المقاومة، مع مراعاة التأكيد على هيبة سلاح السلطة وانفراد وجوده في الشارع الفلسطيني.

إضافة إلى ما سبق؛ فإن هناك تقارير بدأت تظهر مؤخراً تعبّر عن انزعاج إسرائيلي أميركي واضح من إمكانية تحقيق المصالحة، حتى وصل الأمر إلى حد التلويح بقطع المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية، ومحاولة هذه الأطراف الضغط على الراعي المصري من أجل فرض أجندة سياسية تناقض الثوابتَ الفلسطينية لإعادة الأمور إلى المربع الأول.

يجدر بنا التأكيد هنا على أن الكل الفلسطيني يتمنى تحقيق مصالحة وطنية حقيقية قادرة على جمع كل المكونات الفلسطينية تحت سقف النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، ووقف استنزاف طاقات الشعب الفلسطيني في نزاعات داخلية لا طائل منها.