تصغير الخط تكبير الخط
بقلم الأسير القائد: عبد الناصر عيسى

إن إعلان الرئيس الامريكي القدس عاصمة لدولة اسرائيل يحمل كثير من الدلائل والمعاني الحاسمة ،وخاصة في أوساط جزء مهم من الشعب الفلسطيني والعربي، ممن يعولون على مسار العملية السلمية وعلى الولايات المتحدة كراعي ووسيط فيها ،كما أنه يشكل تعزيزا للموقف الرافض والمشكك في جدوى تلك العملية ،ونزاهة الراعي الامريكي ،والمنحاز بشكل كامل لإسرائيل .

لقد شكل إعلان الرئيس ترامب القدس عاصمة لدولة اسرائيل إنقلابا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، فهو إنقلاب على الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي الانساني ،وعلى قرارات الامم المتحدة ،ومن أشهرها قرار 242 سنة 1967والذي دعا اسرائيل للانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية ، كما أنه إنقلاب على مرجعية مدريد وأوسلو والتى أكدت على أن مصير القدس يتم تحديده من خلال المفاوضات السامية بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ،وليس من أي طرف وحده .

كما يعتبر إعلان ترامب مخالفة للسياسة الامريكية التقليدية ، والتى وافقت على أكثر من قرار أممي يخص القدس ، وجوهر هذه القرارات هو إعتبار القدس الشرقية أراض محتلة ، يتم تحديد مصيرها من خلال المفاوضات ، الامر الذى كان مبررا لإقناع وإيهام بعض الفلسطينيين والعرب بلعب أمريكا دور الوسيط ، وقد انتهى هذا المبرر .

إن قيام ترامب بهذه الخطوة إنما يدل على شخصيته الإشكالية والغير متوقعة ،فقد عاند بإعلانه هذا وخالف توصيات المستويات المهنية في المؤسسات الامريكية وخاصة البنتاغون والخارجية والاجهزة الأمنية،والتي حذرت ترامب من خطوته هذه ومن تداعياتها الخطيرة على المصالح الامريكية في المنطقة والعالم ،مما دعاها الى إعلان حالة الاستنفار و التأهب في كثير من دول العالم .

مما يطرح سؤلا على دوافع ترامب ،وهي على الاغلب شخصية ونفسية وتتعلق بهوسه في مخالفة أوباما وللظهور بمظهر القوي الذي يعاند التيار كما يحب أنصاره من اليمين الامريكي المتطرف .

يرى الكثير من المراقبين والمحللين أن الرد الفلسطيني الرافض لخطوة ترامب فيركز على مسارين أساسيين وهما رفض الضغوط الامريكية والاسرائيلية والمضي قدما في تعزيز مسار المصالحة الوطنية الفلسطينية وصولا الى الوحدة الوطنية، أو وعلى الاقل حشد كل الجهود وإستنفاد كل الطاقة الفلسطينية، وتجاوز كل الخلافات من أجل حماية القدس ورفض القرار الامريكي الجديد .

أما المسار الثاني فيتعلق بالعملية السلمية من حيث قطع الاتصالات مع الامريكان وعدم إعتبارهم وسيط مناسب حتى يتم التراجع عن هذا القرار.

ومن جهة أخرى استخدام ورقة التنسيق والتعاون الامني مع اسرائيل التى شجعت حكومتها اليمينية وبشكل هادىء ترامب على إتخاذ هذا القرار ، كما يتوقع المحللون أن تخفف السلطة الفلسطينية قبضتها عن الشعب الفلسطيني في الضفة ،مما يسمح بتزايد الاحتجاجات وحصول ما توقعته الاجهزة الامنية الامريكية والإسرائيلية.