تصغير الخط تكبير الخط
عماد عفانة

توصف حركة حماس بأنها من الحركات الوازنة المتزنة التي تراجع خطواتها بشكل دوري قبل أن تتقدم كي لا تكتشف أنها تسير باتجاه الهاوية، وحركة حماس وبعد ثلاثين عاما على مسيرتها تجد نفسها في كل عام أمام تحديات صعبة، لجهة تحديد طريقها وهي تستقبل عام جديد.

حماس وعقدة منظمة التحرير

حاولت حماس ومنذ انطلاقها الحصول على فرصة لدخول بوابة الشرعية ومنصة القرار الفلسطيني المتمثل بمنظمة التحرير التي أنشأها النظام العربي الرسمي.

لكنها واجهت العديد من التهديدات منها أنه لا يُعتقد أن حركة فتح التي سيطرت على المنظمة بعد تنحية أحمد الشقيري سترغب فيمن يزاحمها فيما تعتبره حقا حصريا لها.

كما أن النظام العربي الرسمي الذي يحارب الاسلاميين بضراوة لن يسمح لحماس المصنفة جماعة اخوانية بدخول المنظمة وإن وافقت فتح، وإن فعلت فلربما تفقد الاعتراف والدعم العربي والأجنبي معا.

أقام العرب منظمة التحرير لتكون أداة لاحتواء النضال والقرار الفلسطيني ووضعه تحت الوصاية العربية التي تتآمر مع اسرائيل من تحت الطاولة منذ عقود، ولن يسمح العرب بدخول حماس للمنظمة لأنهم لا يرغبون بأي برنامج وطني فلسطيني للتحرير الحقيقي لفلسطين يحرج النظام العربي أمام شعوبها ثم أمام حلفائها الغربيين، أو يشكل تهديد لعروشهم وكراسيهم.

لو كانت فتح بقيادتها الحالية راغبة في دخول حماس للمنظمة لفعلت ذلك منذ 13 سنة، أي منذ  اتفاق القاهرة بين الفصائل لإعادة بناء المنظمة.

لكن أمام حماس فرصة عبر استغلال الانهيار الذي يواجه النظام العربي الرسمي، واللعب على المتناقضات والمحاور لخلق إطار وطني حقيقي وممثل لشرائح شعبنا بكافة تلاوينه يحظى باعتراف أنظمة عربية واسلامية، ويكسر احتكار وتفرد فتح الذي توغل بالقضية في مجاهل الدهاليز الصهيونية.

حماس والمقاومة

لأن حماس نشأت من غزة مهد الانطلاقة وعرين التأسيس فقد وضعت حماس كل ثقلها في العمل على مختلف مستوياته الاجتماعي والدعوي والسياسي والعسكري في  غزة التي احتضنت حماس بقوة، وتحملت غزة مع حماس العديد من المواجهات الدامية مع العدو، وتحولت غزة لقاعدة عسكرية قوية وعصية.

إلا أن البعض قد يحسب على حماس وضع ثقلها العسكري في غزة التي تواجه حصارها صهيونيا على حساب الضفة المحتلة وعلى حساب الجبهات المتاخمة للحدود مع فلسطين حيث التجمعات الكبيرة للاجئين الفلسطينيين.

ومع الخلخلة التي تجتاح حدود دول الطوق العربي فأمام حماس فرصة لتنظيم وتثوير تجمعات اللاجئين في دول الطوق وانشاء خلايا عنقودية من الفدائيين بالتزامن مع تفاهمات وضمانات سرية مع دوائر المخابرات في تلك الدول- إن أمكن- ألا يؤثر ذلك على الوضع الداخلي لتلك الدول.

كما أن أمامها فرصة لاختبار الاستعداد الايراني بتسليح الضفة المحتلة لجهة اقامة بنية تحتية عسكرية قادرة ليس على ايلام العدو بل على دفعه لمغادرة الضفة مدينة مدينة وقرية قرية رغم الانتشار الواسع للمغتصبات فيها، والتي تشكل نقمة ونعمة في نفس الوقت فهي اهداف ستكون سهلة لو توفرت البنية المناسبة للمقاومة في الضفة.

حماس ولعبة المحاور

نجحت القوى الدولية بمعاونة القوى الاقليمية في خلق بيئة معادية للتيارات الاسلامية عموما، وحاولت وما زالت ضم حماس لهذه التيارات من خلال نفي صفة المقاومة عنها ووسمها بالإرهاب، وقد برز هذا العداء مؤخرا بوجهه السافر من المملكة السعودية والامارات، وقد كان هذا وكما يقال أحد أسباب فرض الحصار على قطر، علما ان دول الحصار لا تدعم أي حركة مقاومة فلسطينية حتى ولو كانت يسارية أو علمانية، فهم يعادون الاسلام السياسي تماما كما يعادون المقاومة فقط لأنها تشوش على مخططات حلفائها الرئيسيين أمريكا واسرائيل لتقسيم المنطقة ليسهل ابتلاعها .

وبرغم التزام حماس الصارم بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، كي تبقى فلسطين محل اجماع الأمة، وكي تبقى بوصلة المقاومة موجهة نحو العدو الصهيوني، إلا ان محاولات خنقها والتخلص منها ما زالت مستمرة.

لذا فان حالة السيولة والتحولات المتسارعة في التحالفات من قبل دول الاقليم تمنح حماس كحركة ذات امتدادات متشعبة فرصة لخلق بيئة داعمة وحامية لمشروع التحرير الذي تؤيده أغلبية مطلقة من شعوب الأمة، ووضع خطة مبدعة لتحويل الأغلبية من أبناء الشعب الفلسطيني في الخارج إلى قوة حاضنة للمقاومة، وتشكل له حصنا من محاولات التذويب والانهاء التي تقودها سياسة ترامب بمساعدة دول معروفة في الاقليم، إلا أن الأمر يحتاج إلى قيادة فلسطينية قوية قادرة على اتخاذ قرارات جريئة في سياق تشكيل هذه الحاضنة.

حماس في قميص الدولة

منذ شاركت حماس في طقوس الحكم اثر فوزها في انتخابات 2006، وتوغلت في دهاليز الحكم ومؤسساته، فقد انعكس هذا العمل المؤسساتي على حماس التي كانت حينها تعمل على مأسسة دوائرها وجعلها اكثر تنظيما وانتظاما يوازي التوسع والتمدد الذي صاحب ذلك في علاقاتها مع مختلف الاطراف، ويكافئ ذلك الارتقاء في السلم السياسي من حركة معارضة الى حركة حاكمة تحت سقف المقاومة.

غير انه كان لذلك التحول والتوسع والارتقاء سلبيات كما لكل تحول، ومن هذه السلبيات التي لم تتخلص منها حماس بعد هو التوسع في تفريغ الكادر الوظيفي الاداري والميداني؛ في شتى المجالات والتخصصات وعلى رأسها الذراع العسكري.

 واصابة مؤسسات الحركة المختلفة بعدوى البيروقراطية وتقارير الاداء الانشائية المنمقة التي لا تعكس الواقع بأمانة.

وترافق ذلك مع تغيير في طبيعة السلوك المعيشي اليومي للكثير من القادة والكوادر، الذين لبسوا قميص السلطة المستقذر شعبيا، ومارسوا نفس المرفوضات وطنيا كاتخاذ السيارات الفارهة والرواتب العالية وتجنيد المرافقين وتوظيف الأبناء والمقربين وغيرها من الممارسات التي كانت سببا في سقوط فتح في انتخابات 2006م.

فنشأت في الهوامش إبان زمن البحبوحة الاقتصادية ظواهر من الترهل والبطالة المقنَّعة والإسراف في الانفاق على بعض المظاهر التي لا تليق بشعب محاصر يدفع ضريبة المقاومة صباح مساء، ثم أصبحت هذه الظواهر إبان زمن القحط نقمة واستنزاف، وللمفارقة انعكس ذلك على ضعف الموازنات للمؤسسات والعاملين ولم ينعكس على استمرار ظواهر الاستنزاف ذاتها.

لكن ومع وضوح الرؤية التي حددتها قيادة حماس الجديدة انه لا عودة لمؤسسات الحكم بعد مغادرتها في اعقاب اتفاق المصالحة الأخير، فأمام حماس فرصة سانحة للالتفات إلى مؤسساتها وأذرعها لجهة تصليب عودها والقضاء على ظواهر البطالة والترهل التي تعتريها، وتعزيز معايير الرقابة والمحاسبة لتجويد العمل بما ينهي ظاهرة المؤسسات الورقية والتقارير التجميلية.

شعب متميز وتوظيف محدود

انتشر اللاجئون الفلسطينيون على امتداد خريطة العالم بكل ما تحتويه من غنى وتنوع، وبز الفلسطينيون اقرانهم في شتى التخصصات والمجالات، وتبوء الفلسطينيون الكثير من اعلى المراتب والمراكز في مختلف الهيئات والمحافل الدولية.

إلا أن هذا السجل الحافل للفلسطينيين في مجال التميز والابداع لم يجد من أي من قوى ومنظمات الشعب الفلسطيني أي توظيف حقيقي، واكتفت منظمة التحرير التي تقودها حركة فتح على سبيل المثال بالتعامل مع ملايين اللاجئين في الدول العربية تعامل مادي لدفع ضريبة النضال تقتطع من رواتبهم، فيما لم يجد الفلسطينيون داخل وخارج الدول العربية أحد يوظف قدراتهم في إطار مشروع التحرير الذي يتغنى به الجميع، في وقت نأى فيه اغلب الفلسطينيون في الخارج عن الفصائل والاحزاب إما كفرا بها، وإما لتجنيب أنفسهم دفع ضريبة الانتماء.

ومع تنامي روح التعاطف والتفاعل مع القضية الفلسطينية ليس من الفلسطينيين فقط بل من المتعاطفين والمؤيدين للحق الفلسطيني حول العالم باتت الفرصة  سانحة أمام تشكيل إطار وطني تشكله حماس بالتعاون مع مختلف القوى المخلصة للتواصل مع فلسطينيي المنافي والشتات، تحصر الكفاءات والقدرات في شتى مجالات التخصص والتنوع، وتضع خطة طموحة لتوظيفها في إطار رؤية لاستيلاد قيادات وكوادر غمرها اللجوء ودفنتها تفاصيل الاغتراب، والانطلاق بهم ومعهم نحو تحقيق حلم الحرية والتحرير.

حماس والسلطة

مع فقدان السلطة مبرر وجودها وطنيا، بتحولها إلى أداة ضبط وقمع للشعب بيد العدو المحتل.

ومع فقدان السلطة مبرر وجودها سياسيا مع منح ترامب القدس هدية لتكون عاصمة ليكان العدو، ومع ضم العدو للضفة المحتلة التي ابتلع الاستيطان اغلب اراضيها.

يطرح تساؤل كيف ستتعامل حماس مع واقع انتهى فيه اوسلو وأجهز العدو بقرارات التهويد والضم على السلطة التي هي ابرز افرازاته.

 ليعود إلى الأذهان ومع ذكرى انطلاقة فتح الـ53 البحث عن أسباب وبواعث الانطلاقة، وهل يمكن أن يكون الحل في إحياء هذه البواعث رغم الارتباطات والارتهانات والمصالح التي باتت تكبل فتح وقياداتها وكوادرها.

وهنا تسنح لحماس منحة من قلب المحنة عبر إعادة القضية الفلسطينية إلى أصلها الحقيقي كقضية تحرر وطني، وليست قضية سلطة وحكم واعتراف بشرعية دولة وعاصمة تحت الاحتلال.

وبما يمكنها من تجاوز موضوع المصالحة الفاشلة، ليكون التصالح على مشروع المقاومة، كما يمكنها من تجاوز مشروع السلطة لصالح عقد وطني ثوري يعمل على تنظيم وإدارة شعب يسعى للتحرير وليس شعب يسعى للتأقلم والتعايش تحت نعال الاحتلال.