20 سبتمبر 2018 . الساعة : 18:23

​رغم بتر صاروخ إسرائيلي غادر لأطرافه
"السوافيري" لم تُبتر عزيمتُه وطفلتُه "بدي أعطيك رجلي يا بابا"
شارك عبر:

13 مارس 2018 . الساعة : 12:17 . منذ 6 شهور

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية مساء، في العشرين من نيسان قبل عشرة أعوام، حين كان يسير "أحمد السوافيري" برفقة صديقيه في زقاق من أزقة حي الزيتون شرق غزة متجهين لمدرسهم الخصوصي للاستعداد النهائي للامتحانات، في

غزة- ياسمين عنبر

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية مساء، في العشرين من نيسان قبل عشرة أعوام، حين كان يسير "أحمد السوافيري" برفقة صديقيه في زقاق من أزقة حي الزيتون شرق غزة متجهين لمدرسهم الخصوصي للاستعداد النهائي للامتحانات، في يوم روتيني كما اعتادوا منذ بدء مرحلة الثانوية العامة.

لم يوقف ثلاثتهم إلا اندهاش أبداه "أحمد"، حين قال لهم: "أشم رائحة جميلة جدًا"، فالتفت ورفيقاه كي يبحثوا عن مصدرها فلم يجدوا شيئًا، لكنهم لم يعودوا من التفاتتهم يومها ليكملوا طريقهم، حتى باغتتهم غارة إسرائيلية من طائرة كانت تحوم فوق رؤوسهم أثناء سيرهم، لتحولهم جميعًا إلى أشلاء متناثرة.

في غرفة العناية المشددة مكث أحمد خمسة عشر يومًا، ليصحو بعدها ويجد قدميه مبتورتين، كما يده اليسرى وثلاثة أصابع من اليد اليمنى!

لكن ثمة حديث أسره له صديقه يومها أعاد له ألوان الحياة، بعد أن خبت في عينيه، "عندما دفنَّا يدك اليسرى كان أصبع السبابة مرفوعًا للشهادة، فغسلناها ودفنَّاها كما هي".

"ترددت أيام إصابتي أكمل مشواري التعليمي أم لا فقد تغير وضعي"، يحكي "السوافيري" لـ"الرسالة"، وسرعان ما أكمل بعزيمة: "بإصرار وإرادة كبيرين درست واجتهدت وتحديت المحتل ونجحت في الثانوي العامة".

أسئلة كثيرة كانت تحوم في خلد الشاب "السوافيري" حين أراد أن يتزوج بعد إصابته، وكان السؤال الموجع: "من ستقبل بي"!

لكن حديث أمه الذي فاجأه أعاده من دوامة الحيرة والأسئلة، حين قالت له: "هناك 10 فتيات أخبرنني أنهن يقبلن الزواج منك وسيكنَّ سعيدات لمساعدتك لتخطي عقبات الحياة".

"جنى وسما" قطعتا سكر رزق بهما "أحمد" بعد زواجه، إلا أن الاحتلال أفقده واحدة منهما، وبحزن شديد يكمل: "استشهدت سما في حرب حجارة السجيل على إثر الغازات السامة التي ألقيت خلف مستشفى الدرة وكانت حينها مريضة داخل المستشفى".

حزن عميق انتاب العشريني "أحمد" لشعوره بفقد قطعة من روحه، فلم يكتف الاحتلال ببتر أطرافه، بل سرق بسمته في محاولة لكسر عزيمته!

"بدي أعطيك رجلي يا بابا" عبارة أبكت "أحمد" حين قالتها له طفلتها الصغيرة "جنى"، حيث كان يلعب معها حين دق جرس البيت بالطابق السفلي، فوجد نفسه يحاول لا إراديًا أن يقوم عن الكرسي لينظر من بالباب.

لفت انتباهه وقتها بأن ابنته "جنى" تمددت على الأرض وكانت تشد رجلها بقوة، ما دفعه إلى سؤالها عن سبب تكرارها للحركة، فأجابته: "بشد في رجلي بدي أعطيك اياها يا بابا عشان توقف وتقدر تفتح الباب".

"استطاع الاحتلال أن يبتر أطرافي ولكن لم ولن يستطيع بتر إرادتي"، يقولها "السوافيري" لـ"الرسالة" ويتابع: "التحقت بالجامعة ودرست في البداية الدبلوم ثم البكالوريوس وأنا الآن على مقاعد الدراسات العليا أدرس الماجستير في الجامعة الإسلامية".

"هل سيتقبلون الطلاب وضعي، كيف سأتعامل معهم، كيف سأدير الحصص"، أسئلة طرحها "السوافيري" على نفسه حين وصل إلى نهاية مرحلة البكالوريوس وهي "التدريب الميداني" التي كان مجبرًا أن يقضيها بين أروقة المدارس بحسب قانون الجامعة.

ككل مرة يتسلل الضعف إلى نفسه للحظات قصيرة، يجدها تنتفض سريعًا وتنطلق بعزيمة أكبر، تدرك ذلك حين يقول: "بكل قوة اتخذت قراري وذهبت إلى المدرسة فكان ترحيب الطلاب لي وقت دخولي الفصل وتفاعلهم معي مفاجئًا، وداعمًا أيضًا"، وبعد فترة وجد نفسه قد عاد إلى ذات المدرسة التي كبر على مقاعدها ليعمل مدرسًا فيها.

بيد واحدة ثلاث أصابع منها مبتورة، يحرك "السوافيري" عجلات كرسيه المتنقل أثناء شرحه لدروسه، كما يقلب بها صفحات الكتاب ويسجل الدروس على سبورة الفصل.

"همم تتعالى" مؤتمر كان من المفترض أن يشارك فيه "السوافيري" لكن معبر رفح وقف حائلًا أمام حلمه، حيث حصل عام 2015 على أفضل شخصية مؤثرة حول العالم في تركيا، وفي العام الذي يليه حصل على جائزة "إنجاز العمر" التي تعطى عادة للأمراء والوزراء فقط.

"الإعاقة لا يمكن أن تقف حائلًا أمام إرادة أي إنسان، فلا يمكن لليأس أن يتغلب على الرغبة في الحياة وتحقيق الأحلام، فالإنسان المعاق هو فاقد الإرادة وليس فاقد الأطراف" بهذه الكلمات ختم "السوافيري" حديثه وهو يوجهها إلى كل الجرحى الفلسطينيين في يومهم.

فالثالث عشر من آذار من كل عام يصادف يوم الجريح الفلسطيني، وهم يتعالون بجراحهم، قاهرين الاحتلال والعجز، أولئك الذين فقدوا أجزاء من أجسادهم ولم يفقدوا حبهم للوطن.

أنهينا الحديث مع أحمد، ولم تنته فرقة العاشقين بعدُ من الصدح بالنشيد: "وردة لجريح الثورة وردة للجرح الساطع، ماشي والجبهة مرفوعة تارك رجله في الميدان، تارك رجله في الميدان قطّعها لغم الطغيان، يا أصحاب الضحكة المسموعة يا غفلة وما بدها توعى، يا نسيان ويا غفيان سبقتكوا الرجل المقطوعـة".

غادرناه ونحن مدركون أن نشيد "جريح الثورة" لن يخبو صداه، طالما هناك مناضلون يمزجون ثرى فلسطين بدماء جراحهم، ويغرسون أعضاءهم المبتورة لتتجذر في الأرض وتنبت نصرًا وحرية!

كلمات مفتاحية:

التواصل السريع: 082854003 0598932104