تصغير الخط تكبير الخط
الرسالة نت - وكالات

على وقع الغموض الذي يكتنف مصير اللواء المتقاعد خليفة حفتر، دخلت الدول الداعمة له لا سيما الإمارات ومصر سباقا مع الزمن لترتيب مرحلة ما بعد غيابه، سواء لجهة اختيار خليفة له أو منع انهيار "عملية الكرامة" التي أطلقها حفتر عام 2014 في مناطق شرقي ليبيا.

وتفرض السلطات الفرنسية ستارا من الغموض حول مصير حفتر، الذي تضاربت الأنباء مؤخرا بشأن مصيره لدرجة أن وسائل إعلام ليبية تحدثت يوم الجمعة الماضي عن وفاته، وبعدها بساعات خرجت أنباء عن اتصال أجراه المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة مع حفتر، دون مزيد من التفاصيل.

ويبدو الإرباك كبيرا في معسكر السياسيين والإعلام المحسوب على حفتر، ففي حين تحدثت قنوات ليبية تبث من بنغازي والأردن عن تماثل حفتر للشفاء، قالت أخرى إن "قائد الجيش الليبي" يجري فحوصا اعتيادية في مستشفى بفرنسا.

وذهبت إحدى القنوات الليبية حد القول إن حفتر يقوم بجولة في عدد من الدول الأوروبية، دون أن تؤيد هذه القنوات أخبارها بأي صور أو تصريحات تنفي الأخبار عن تدهور حالته الصحية.

وتكشف مصادر ليبية مطلعة أن "أجهزة مخابرات دولية" أبلغت مصادر مسؤولة في المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني -عبر وسطاء- أن حفتر في حالة صحية حرجة لن تسمح له بالعودة للعمل من جديد لمنصبه.

وأشارت المصادر إلى أن هذه الأجهزة أكدت أن حفتر يعاني منذ مدة من سرطان في الغدة الدرقية وكان يتردد على الأردن للعلاج، وأصيب مؤخرا بجلطة دماغية وصعوبة في التنفس.

وعلى أثر هذه المعلومات، فقد شكلت الجبهة الداعمة لحفتر لا سيما الإمارات ومصر "خلية أزمة" لترتيب مرحلة ما بعده، خاصة وأنها باتت مقتنعة بأن وضعه الصحي لن يسمح له بالعودة للمشهد.

فقد كشف مصدر رفيع في المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني أن خلية الأزمة يقودها من الجانب الإماراتي طحنون بن زايد آل نهيان، ومن الجانب المصري رئيس اللجنة الوطنية المصرية المعنية بليبيا اللواء محمود حجازي.

وبحسب المصدر فإن الإمارات ومصر ترغبان في ترشيح أحد ثلاثة أشخاص لخلافة حفتر في منصب "القائد العام للجيش"، على رأسهم اللواء عون الفرجاني، وهو من أبناء عمومة حفتر وأحد أهم مساعديه.

" أما الشخصان الآخران فهما الرائد خالد خليفة حفتر الذي يقود إحدى أكبر الكتائب العسكرية في قوات والده، والثالث هو اللواء عبد السلام الحاسي الذي يشغل منصب قائد غرفة العمليات العسكرية لعملية الكرامة.

من جهته يرى المحلل السياسي والمستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أشرف الشحّ أن الغموض الذي يكتنف مرض خليفة حفتر "تسبب في ارتباك كبير لدى الأطراف المستثمرة في حفتر ومشروعه لدولة دكتاتورية في ليبيا".

وقال للجزيرة نت عبر الهاتف من بوخارست إن أزمة هذه الدول تتمثل في أنها لا تجد شخصية قادرة على أن تحل محل حفتر من حيث الشخصية والكاريزما والقدرة على تنفيذ مشروعها.

وتابع "مهما كانت النتائج، فإن مرحلة ما بعد مرض حفتر لن تكون هي مرحلة ما قبلها"، وبرأيه فإنه حتى لو عاد حفتر للمشهد فإن عملية الكرامة انهارت من الداخل بعد أن ثبت أنها تقوم على شخص لا على مشروع لبناء الدولة، كما قال.

وتوقع الشح أن تشهد المنطقة الشرقية في ليبيا صراعا سيبدأ فور إعلان مصير حفتر، لافتا إلى وجود قبائل متضررة من إبعاد حفتر لها مقابل تقريب شخصيات من خارج المنطقة الشرقية.

وقال أيضا "رئيس مجلس النواب المنعقد في طبرق عقيلة صالح كان مكبلا بالسيطرة العسكرية لخليفة حفتر"، وأضاف "هذا واضح من الموافقة السريعة لصالح على دعوة الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للدولة خالد المشري للقائه في الصخيرات الأسبوع الماضي".

وأوضح الشح أن "المشري هو مرشح حزب العدالة والبناء المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين التي أعلنت عملية الكرامة الحرب عليها، وهو ما يؤكد أن صالح تحرر من قيود حفتر".

 

وفي الإطار ذاته يرى المحلل السياسي عبد السلام الراجحي أنه ورغم التوقعات بغياب حفتر فإن هناك من يخشى أن يعود للمشهد "لأن حلفاءه باتوا يتمسكون به أكثر من أي وقت مضى نظرا لأزمة إيجاد خليفة له".

الراجحي قال للجزيرة نت عبر الهاتف من طرابلس إن الدول الداعمة لحفتر لا سيما مصر والإمارات دفعت أموالا ضخمة لتحقيق مصالحها، وأضاف "مصر لن تفرط بنفوذها الكبير بالمنطقة الشرقية، والإمارات ستتمسك بمكاسبها وعلى رأسها قاعدة عسكرية على البحر المتوسط".

وبرأي الراجحي فإن الأسماء المطروحة لخلافة حفتر "لا يمكن أن تشكل بديلا له"، وقال "عبد الرزاق الناظوري لا يتمتع بأي كاريزما تؤهله لأن يحل محل حفتر، أما عون الفرجاني فهو ابن عم خليفة حفتر، لكنه مكروه حتى في صفوف عملية الكرامة، ويتهم بأنه عزل حفتر عن القبائل".

" ويرى أيضا أن الحاسي هو الشخصية "الأقرب بين الشخصيات الثلاث كونه عسكري معروف وهو الأكثر دهاء ويوصف بأنه عسكري منضبط ومثقف لكنه يفتقد الكاريزما التي تعطيه إمكانية سد الفراغ الذي سيتركه حفتر".

ولا يستبعد المحلل السياسي الليبي أن تدفع أزمة إيجاد بديل لحفتر كل من الإمارات ومصر لتشكيل "مجلس عسكري ثلاثي" يحكم الشرق الليبي.

لكنه يرى أن التمزق والصراع سيكون عنوان المرحلة المقبلة، لا سيما مع وجود خلافات متعددة الأوجه منها الخلافات مع القائمين على استخراج النفط، وأخرى مع القبائل.

ويرى أيضا أنه بغض النظر عن الشخصية التي ستخلف حفتر "فإنها ستفتقد للطموح السياسي، فحفتر أراد أن يكون رئيسا لليبيا، أما البديل له فسيكون أقصى طموحه أن يكون له دور ما في المرحلة المقبلة".

ويبدو أن حفتر الذي أثار جدلا في مرحلة القذافي ثم في مرحلة الثورة عليه، قبل أن يشكل عنوانا للثورة المضادة التي دعمتها مصر والإمارات في ليبيا، بات اليوم عنوانا لأزمة تتمثل في احتمالات غيابه بعد أن بنت الأطراف الداعمة له مشروعها في ليبيا على إعادة إنتاج دكتاتور لا على بناء دولة دفع الليبيون ثمنا كبيرا لها.