11 ديسمبر 2018 . الساعة : 13:33

درع الشمال: حروب (إسرائيل) الجديدة
شارك عبر:

6 ديسمبر 2018 . الساعة : 08:54 . منذ 5 أيام

تشكل درع الشمال وعمليات مبم بشكل عام ردا أمنيا اسرائيليا على القيود والمشاكل الاستراتيجية العميقة التي تواجه (إسرائيل) والمتعلقة بغياب العمق الاستراتيجي

ناصر ناصر

تمثل العملية العسكرية والهندسية التي أعلنتها (إسرائيل) صباح الثلاثاء 4-12، وأطلقت عليها اسم درع الشمال بهدف تدمير ما تزعم انها أنفاق هجومية تابعة للمقاومة اللبنانية وحزب الله على الحدود مع لبنان، توجهات الحرب الجديدة والمفضلة لدى دولة الاحتلال في السنوات الاخيرة والتي أطلقت عليها مصطلح "مبم"، ( أي المعركة ما بين الحروب ) والتي تعني خوض معارك محدودة الاهداف وتتجنب الالتحام المباشر وتعتمد على الاستخبارات، وتركز على عمليات سلاح الجو والوحدات الخاصة بما يتلاءم مع الوثيقة الاستراتيجية للجيش 2015، فلماذا "مبم " ولماذا درع الشمال؟

تشكل درع الشمال وعمليات مبم بشكل عام ردا أمنيا اسرائيليا على القيود والمشاكل الاستراتيجية العميقة التي تواجه (إسرائيل) والمتعلقة بغياب العمق الاستراتيجي، وخصوصا في عصر الصواريخ التي يمتلكها عدو غير تقليدي على شكل منظمات المقاومة في فلسطين، ولبنان إضافة الى القدرات البشرية الاسرائيلية المتراجعة من حيث العدد وقدرات التجنيد الواسع ولفترة طويلة، ومن حيث المعنويات والقدرة على الصبر والصمود في زمن القصف والحروب، كما ظهر ذلك جليا في احتجاجات وهروب سكان مستوطنات غلاف غزة من طائرات ورقية وبالونات حارقة أبدعها الفلسطينيون في غزة، وهكذا تعتقد (إسرائيل) انها لن تدفع ثمنا باهظا من حروب" مبم " كدرع الشمال.

تظهر عملية درع الشمال وحروب (إسرائيل) الجديدة "مبم" تناقض القوة الذي تعيشه دولة الاحتلال، فمن جهة لديها أقوى وأحدث الاسلحة الامريكية وهي مزودة بأحدث أنواع التكنولوجيا العسكرية المتطورة وهي بهذا تمتلك أسلحة دمار فتاكة وقادرة على تدمير لبنان وما حوله، ولكنها وفي نفس الوقت لا تمتلك القدرة الفعلية على تحقيق وإطلاق إمكانياتها الهائلة بسبب " قيود القوة " العامة ومنها السياسة الدولية على سبيل المثال وقيود قوة (إسرائيل) الخاصة كالقيود المجتمعية والجغرافية.

من غير المتوقع ان تؤدي عملية درع الشمال الى حرب واسعة مع حزب الله ما تعلق ذلك بـ(إسرائيل)، لان ذلك يتناقض مع مصالح (إسرائيل) الامنية والسياسية والاقتصادية، والتي تتلخص في تعطيل أكبر عدد ممكن من أنفاق الشمال في إطار حربها الاوسع التي تستهدف منع تعاظم قدرات حزب الله، ومع ذلك قد يحدث احتكاك ما يربك الحسابات الاسرائيلية، لذا تعتمد (إسرائيل) سلفا على المساندة الامريكية وعوامل الضبط والكبح الدولي لأي تصعيد، والمتمثلة في فرنسا وروسيا.

قد يشكل درع الشمال في الحقيقة درعا واقيا لرئيس الوزراء نتنياهو أيضا " فسيد الامن " في (إسرائيل) تعرض لنكسة سياسية داخلية تمثلت في ضعف حكومته بعد استقالة وزير دفاعه ليبرمان بسبب ما أصبح يعرف اسرائيليا وإقليميا بفشله أمام الشعب الفلسطيني في غزة، ومن جهة أخرى قد تثبت درع الشمال للمجتمع الاسرائيلي صحة أقوال وادعاءات نتنياهو بوجود حالة أمنية طارئة تمنع حل الحكومة وعقد انتخابات مبكرة، وتحتم ضرورة الالتفاف حول القائد نتنياهو، كما انها قد تؤكد تبريراته المستمرة لتراجعه أمام غزة حيث الخطر أكبر في الشمال في حزب الله وايران.

لقد أكدت البداية الصاخبة من الناحية الاعلامية لعملية درع الشمال حرص (إسرائيل) على توظيف العملية في حربها المستمرة على الذاكرة، ذاكرة الاسرائيلي بتقويتها وجبر كسرها في غزة وخانيونس، وذاكرة الفلسطيني والعربي بأن (إسرائيل) ما زالت تملك زمام المبادرة والمفاجئة، وسوف تستمر في ذلك عبر نشرها لأنباء وبيانات وصور ما ستزعم انه أنفاق هجومية خطيرة وصلت اليها نتيجة قدراتها الاستخباراتية والتكنولوجية "الخارقة"، وذلك في تكرار لتجربتها مع أنفاق غزة، والتي لم تنجح في نهاية المطاف في وقف أو إضعاف روح وإمكانات المقاومة المتجذرة لدى الفلسطينيين واللبنانيين، والشعوب العربية بشكل عام.