في مشهد غير مسبوق في تاريخ المدينة التي لا تنام، بدأ زهران ممداني يومه الأول كعمدةٍ لنيويورك بتلاوة سورة الفاتحة من القرآن الكريم، محاطًا بجمعٍ من مؤيديه الذين ردّدوا معه الآيات بخشوعٍ ودموعٍ صامتة. ارتفعت الأصوات في ساحة البلدية العريقة، لا بنداءات النصر، بل بتسبيحٍ خاشع يختصر رحلة طويلة من الكفاح والمعنى.
يقول أحد الحاضرين: “لم يكن ذلك احتفالًا سياسيًا، بل لحظة وعي، لحظة ميلاد جديدة للمدينة”.
وغمر المشهد كثيرين بفرحٍ عظيم، كأنّ العدالة أخيرًا استعادت صوتها في قلب نيويورك.
من هناك، من هذا الصباح المفعم بالروح والدهشة، تبدأ حكاية ممداني الذي لم يأتِ من خلفية المال أو النفوذ، بل من عمق الفكر والإنسانية. ففي مدينةٍ تُوصف بأنها معقل الرأسمالية واللوبيات الكبرى، أعلن فجر اليوم عن فوزه بمنصب عمدة نيويورك، ليكون بذلك أول مسلم ومن أصول جنوب آسيوية يتولى هذا المنصب في تاريخ المدينة، وأصغر من يشغله منذ أكثر من قرن.
لكن فوز ممداني لم يكن مجرد انتصار انتخابي عابر، بل حدثًا فلسفيًا يعكس تحولًا في وعي المجتمع الأمريكي، خاصة بين الشباب الذين سئموا التناقض بين خطاب الحرية وممارسات القهر التي يرونها في الداخل الأمريكي وفي العالم، ولا سيما في فلسطين وغزة.
وُلد ممداني في أوغندا عام 1991 لعائلة فكرية بامتياز؛ فوالده المفكر محمود ممداني أحد أبرز منظّري ما بعد الاستعمار في إفريقيا، ووالدته المخرجة ميرا ناير، التي لطالما صوّرت الإنسان الهامشي في أفلامها كمرآة للعالم. ومن هذا الإرث الروحي والثقافي، تشكّلت شخصية زهران كسياسيٍّ يحمل فلسفة العدالة والكرامة الإنسانية لا كشعارات، بل كقواعد للحياة.
آمن ممداني بأن السياسة من دون بعدٍ أخلاقي ليست سوى إدارة للقوة، وأنّ العدالة يجب أن تكون الرابط بين الفكر والفعل. حمل مشروعًا يطالب بالمواصلات العامة المجانية، وبتوفير السكن للفقراء، وبتحميل الشركات الكبرى مسؤولية اجتماعية تجاه المجتمع، معتبرًا أن ازدهار نيويورك لا يُقاس بأبراجها العالية بل بكرامة سكانها.
لكن ذروة رسالته ظهرت في مواقفه الجريئة تجاه فلسطين. فقد كان من الأصوات النادرة داخل الولايات المتحدة التي نادت علنًا بوقف الحرب على غزة، وشارك في مظاهرات وإضرابات عن الطعام تضامنًا مع الفلسطينيين، حتى اعتُقل بعد السابع من أكتوبر في إحدى الوقفات الاحتجاجية. هذا الموقف الإنساني كلفه حربًا شرسة من خصومه الذين اتهموه بالإرهاب، ونشروا ضده بيانات مزيفة، بل موّلوا حملات إعلامية ضخمة ضده دعمًا لمنافسه أندرو كومو.
ومع ذلك، لم تُفلح تلك الحملات في إسقاطه، بل جعلته رمزًا لثورة الوعي. فقد صوّت له الآلاف من الشباب، بمن فيهم ما يقارب نصف اليهود الشباب في نيويورك الذين كفروا بمنطق الاحتلال وازدواجية المعايير. في خطابه بعد الفوز، لم يتحدث ممداني عن السلطة ولا عن إنجاز شخصي، بل قال ببساطةٍ عميقة:
“إن العدالة لا تتجزأ، ومن يؤمن بها في نيويورك لا يمكن أن يصمت عنها في غزة.”
بهذه الجملة، اختصر زهران ممداني فلسفته ورسالته معًا. فهو يرى أن الفكر الإنساني لا قيمة له إن لم يتحوّل إلى فعلٍ أخلاقي، وأن السياسة ليست ميدانًا للمكاسب بل امتحانًا للقيم.
اليوم، وقد بدأ عهده بتلاوة الفاتحة، تبدو نيويورك كأنها تشهد ميلادًا جديدًا — ميلاد مدينةٍ تعيد اكتشاف روحها المفقودة بين الأبراج العالية والأسواق الصاخبة.
زهران ممداني لم يفز بمنصب، بل حرّر فكرة القيادة من سطوة المصالح، وذكّر العالم بأن غزة غيّرت الوعي، ونيويورك بدأت تسمع صداها.