تعد "شبيبة التلال" واحدة من أكثر المجموعات الاستيطانية تطرفاً في كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهي تعبير واضح عن تصاعد الأيديولوجيا الدينية القومية التي تتخذ من العنف وسيلة لترسيخ الاستيطان وتهويد الأرض الفلسطينية.
ظهرت هذه المجموعة بداية الألفية الجديدة، حين بدأ عدد من الشبان اليهود المتدينين بإقامة بؤر استيطانية عشوائية فوق التلال المحيطة بالضفة الغربية، في محاولة للالتفاف على القوانين الشكلية التي تمنع إقامة مستوطنات جديدة دون موافقة حكومية رسمية.
ميليشيا
منذ ذلك الوقت، تحولت "شبيبة التلال" إلى ما يشبه ميليشيا دينية تعمل تحت غطاء سياسي وأمني غير معلن من قبل سلطات الاحتلال. أفرادها شبان متطرفون تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عاماً، يعيش كثير منهم في هذه البؤر الاستيطانية العشوائية دون بنية تحتية أو إشراف رسمي، في ظل دعم ضمني من الحاخامات والمستوطنين الكبار الذين يباركون أفعالهم ويمنحونها بعداً دينياً باعتبارها "واجباً مقدساً لحماية أرض إسرائيل".
تعتمد "شبيبة التلال" أسلوب الترهيب والاعتداء الممنهج ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، فهم يحرقون الحقول الزراعية، ويهاجمون القرى الفلسطينية بالحجارة والزجاجات الحارقة، ويعتدون على المزارعين والرعاة في المناطق الريفية المعزولة. وتوثق منظمات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية عشرات الجرائم التي ارتكبتها هذه العصابات خلال السنوات الأخيرة، والتي أدت إلى مقتل وإصابة عدد من الفلسطينيين، فضلاً عن تدمير ممتلكات وتهجير عائلات بأكملها من أراضيها.
عقوبات
تعتبر هذه العصابات بمثابة "مدارس للتطرف"، إذ يتخرج منها لاحقاً عناصر ينضمون إلى وحدات استيطانية منظمة أو إلى الجيش الإسرائيلي نفسه، حاملين معهم فكر العداء المطلق للفلسطينيين. وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن بعض أفراد "شبيبة التلال" تورطوا في جرائم كبرى، مثل إحراق عائلة دوابشة في قرية دوما عام 2015، وهي الجريمة التي هزت الرأي العام العالمي بعد مقتل الطفل علي دوابشة ووالديه حرقاً داخل منزلهم.
ورغم خطورة هذه المجموعة، فإن تعامل السلطات الإسرائيلية معها يبقى متساهلاً إلى حد كبير. فغالبية أعضائها لا يخضعون للمحاسبة أو العقاب الحقيقي، وغالباً ما يتم الإفراج عنهم بعد اعتقال شكلي أو تحقيق صوري. كما يُنظر إليهم في أوساط اليمين الإسرائيلي المتطرف على أنهم "رواد الاستيطان الجديد"، الذين يعيدون "إحياء روح التوراة في أرض الميعاد"، وهو خطاب يغذي نزعة الفوقية الدينية والقومية في المجتمع الإسرائيلي.
في الأسابيع الأخيرة، فرض الاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا عقوبات محدودة على عدد من أعضاء "شبيبة التلال" وبعض الكيانات المرتبطة بهم، شملت حظر التعامل المالي ومنع السفر إلى أراضيها. غير أن هذه الخطوة تبقى رمزية أكثر منها فعّالة، إذ لا تملك تلك العقوبات القدرة على كبح جماح مجموعات تعمل بغطاء من المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، وتجد في الجيش والحكومة حلفاء ضمنيين.
السابع من أكتوبر
منذ السابع من أكتوبر 2023، صعّدت عصابات "شبيبة التلال" جرائمها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، في حملة إرهاب منظم تستهدف تهجير السكان وتعزيز السيطرة الاستيطانية. فقد وثقت منظمات حقوقية أكثر من 4700 هجوم نفذها مستوطنون خلال عام واحد، شملت القتل، الحرق، والاعتداء المسلح على القرى والمزارعين. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 18 فلسطينياً وإصابة مئات آخرين، إضافة إلى تهجير عشرات التجمعات البدوية من مناطق الأغوار والجنوب.
من أبرز الجرائم التي نُسبت لعناصر "شبيبة التلال" اقتحام قرية جِت شرق قلقيلية، حيث أحرقوا منازل وسيارات وقتلوا أحد السكان بالرصاص. كما شهدت قرى نابلس ورام الله والخليل موجات متكررة من الاعتداءات، تخللها حرق حقول الزيتون وتخريب شبكات المياه والكهرباء، واعتداءات جسدية على المزارعين والرعاة. وأظهرت صور وتقارير أن المستوطنين ينفذون هذه العمليات تحت أنظار جنود الاحتلال، بل أحياناً بمساندتهم.
تلك الجرائم لا تمثل أعمالاً فردية، بل سياسة استيطانية ممنهجة تتخذ شكل الإرهاب الأهلي. إذ تستخدم “شبيبة التلال” العنف لترهيب الفلسطينيين وإجبارهم على الرحيل، في ظل تواطؤ رسمي وصمت دولي مريب، ما يجعل هذه العصابات اليوم أحد أخطر أدوات الاحتلال في الحرب المستمرة على الأرض والإنسان الفلسطيني.
القانون الدولي
من منظور القانون الدولي الإنساني، تُعدّ أعمال "شبيبة التلال" جرائم حرب مكتملة الأركان، إذ تشمل الاعتداء على المدنيين، وتدمير الممتلكات الخاصة، والاستيلاء على الأراضي بالقوة—لأها محظورة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تنصّ على حماية السكان الواقعين تحت الاحتلال.
كما يُعدّ نقل السكان المدنيين من قوة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة جريمة وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهو ما تقوم به "إسرائيل" بصورة منظمة عبر سياسة الاستيطان ودعم مجموعات مثل "شبيبة التلال".