بعد مرور أكثر من شهر ونصف على وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتعمق الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، لتكشف عن فشل واضح في استجابة المؤسسات الإغاثية العاملة في الميدان.
فمن خيام مهترئة غرقت بالأمطار، إلى مساعدات وصلت لغير مستحقيها، مرورا بمستلزمات مكدسة في المخازن دون توزيع، يجد النازحون أنفسهم أمام فراغ إغاثي مخيف يزيد من معاناتهم اليومية، في وقت تتعاظم فيه الحاجة لتدخل عاجل قبل أن يحسم الشتاء مصير عشرات آلاف العائلات.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار ودخول الاتفاق حيز التنفيذ، ساد تفاؤل حذر بين سكان قطاع غزة الذين أنهكتهم حرب امتدت لعامين كاملين، حيث اعتقد الناس أن مرحلة جديدة ستبدأ، مرحلة تُفتح فيها الطرق لإدخال مواد الإيواء والمساعدات الإنسانية، وأن المؤسسات الإغاثية -المحلية والدولية- ستسابق الزمن لتعويض ما فات وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل وصول الشتاء، لكن الواقع سرعان ما أثبت أن المشهد أكثر تعقيدا، وأن العجز ليس طارئا، بل يمتد في عمق البنية الإدارية والتنظيمية لتلك المؤسسات.
مأساة كبيرة
ومنذ الأيام الأولى بعد وقف إطلاق النار، بدأت صور الخيام الممزقة تنتشر، موثقة حجم مأساة الأسر التي لا تملك سوى قطعة قماش لا تصمد أمام أقل هبة ريح، ومع أول منخفض جوي ضرب القطاع خرجت المأساة من إطار الصور إلى واقع مرير؛ آلاف الخيام غرقت بمياه الأمطار، والأغطية والأفرشة ابتلّت بالكامل، والأطفال ناموا فوق الأرض الموحلة، فيما واجه كبار السن والمرضى ظروفا من الأكثر قسوة على الإطلاق.
ورغم كل التحذيرات، لم يشهد القطاع تحركا فعليا من المؤسسات الإغاثية، حيث كانت مشاهد التصوير وتوثيق لحظات تفريغ بعض الشاحنات هي النشاط الأبرز لتلك المؤسسات، وكأنها تحاول إثبات وجود إعلامي بدل إثبات وجود ميداني.
أما المواد الإغاثية من الخيام والبطانيات والأغطية، فبقيت داخل البركسات، بعضها مكدس منذ أسابيع، لا يخرج منها إلا كميات رمزية لا تلبي الحد الأدنى من الحاجة.
ويؤكد شهود من داخل القطاع أن توزيع المساعدات اعتمد بشكل واسع على نظام المعارف والمحاباة، وهو ما سمح بوصول جزء من الإغاثة إلى غير مستحقيها، بل وبيع بعض المواد في السوق بأسعار مرتفعة، في واحدة من أكبر صور الفساد الإغاثي خلال السنوات الأخيرة.
لكن فشل المؤسسات لا يمكن عزله عن السياق الأكبر، فإسرائيل وللشهر الثاني بعد وقف إطلاق النار، تواصل منع إدخال مواد الإيواء الأساسية إلى غزة، من الخيام والبيوت المتنقلة، وكل ما يساعد في توفير الحد الأدنى من المأوى، بقيت ممنوعة من الدخول رغم أن الاتفاق نص صراحة على السماح بوصولها بشكل عاجل.
هذا المنع ليس جديدا؛ فهو امتداد لسياسة إسرائيلية مستمرة منذ عامين، تهدف إلى تعطيل إعادة الإيواء وإبقاء القطاع في حالة انهيار إنساني دائم.
عجز كبير
وشهدت الفترة التي سبقت وقف إطلاق النار تدمير عشرات آلاف الخيام نتيجة القصف المباشر أو القريب من مناطق التجمع السكني المؤقت. كما أدى الحر الشديد في فصل الصيف إلى إضعاف الخيام البلاستيكية، فيما أتت الأمطار ورياح الشتاء لتقضي على ما تبقى.
كل ذلك ترافق مع غياب بدائل حقيقية، وعجز المؤسسات عن توفير حلول حتى لو مؤقتة، ما جعل الأزمة تتفاقم بوتيرة سريعة.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن حرب الإبادة التي بدأت في أكتوبر 2023 خلفت أكثر من 69 ألف شهيد و170 ألف جريح، ودمرت نحو 90% من البنى التحتية المدنية في القطاع، بما يشمل الطرق والمنازل والمدارس والمستشفيات.
كما تجاوزت الخسائر الاقتصادية الأولية 70 مليار دولار، ما يضع غزة أمام واحدة من أضخم الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وفي ظل هذا الدمار الهائل، صارت الحاجة إلى الإيواء أكبر من أي وقت مضى، لكن المنع الإسرائيلي والفشل الإغاثي صنعا معا أزمة خانقة تكاد تخنق ما تبقى من قدرة الناس على الصمود.
ومع دخول الشتاء، أصدر المكتب الإعلامي الحكومي بيانا حذر فيه من تصاعد المأساة الإنسانية التي يعيشها نحو مليون ونصف نازح.
وأكد البيان أن الرياح العاتية والأمطار الغزيرة مزّقت ما تبقى من الخيام، وأن آلاف الأسر باتت دون مأوى يحميها.
كما كشف عن حاجة القطاع إلى ما لا يقل عن 250 ألف خيمة و100 ألف كرفان لتوفير المأوى المؤقت للسكان، في ظل تهالك الخيام الموجودة وانهيار منازل كثيرة.
ويشير البيان إلى أن ما جرى ليس مجرد خلل إداري أو تأخير لوجستي، بل نتيجة مباشرة لمزيج قاتل من الحصار الإسرائيلي، وضعف المؤسسات الإنسانية، وغياب الرقابة الدولية.
فالمساعدات، وفق البيان، لا تزال تمنع من الدخول، بينما المؤسسات داخل القطاع عاجزة عن إدارة ما هو متاح، ما يجعل حياة النازحين عرضة للخطر المباشر مع كل موجة برد أو مطر جديدة.
وفي ظل هذا الواقع، ترتفع أصوات المواطنين مطالبة بوقف ما وصفوه بـ"المهزلة" و"التجارة بآلام الناس".
ويطالب الأهالي بمنح المؤسسات ساعات فقط لكشف معايير التوزيع والبدء فورا بتنفيذ خطط إغاثية حقيقية، بعيدا عن الاستعراض الإعلامي.
كما تتصاعد الدعوات إلى الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي للتحرك العاجل، والضغط على إسرائيل لفتح الطريق أمام إدخال مستلزمات الإيواء.