تحولت مدينة بلباو شمالي إسبانيا، في يوم المباراة بين منتخب فلسطين ومنتخب إقليم الباسك، إلى ساحة تضامن واسعة مع الشعب الفلسطيني، حيث تداخلت الرياضة مع المشهد الإنساني والسياسي في لحظة استثنائية جمعت الآلاف تحت شعار واحد: الحرية لفلسطين.
في يومٍ تجاوزت فيه الرياضة حدود المنافسة، اتخذت بلباو موقفًا أخلاقيًا واضحًا، لتعلن أن الملاعب يمكن أن تتحول إلى مساحات للعدالة وأن كرة القدم قادرة على حمل قضايا الشعوب وصوت المظلومين. لم يكن الحضور الجماهيري الكبير مجرد دعم لمنتخبين فقط، بل كان تعبيرًا جماعيًا عن رفض الصمت، وإصرارًا على أن غزة ليست بعيدة، وأن فلسطين — بكل ما تحمله من وجع وصمود — حاضرة في قلب أوروبا. في ذلك اليوم، اجتمع الباسكيون والفلسطينيون حول معنى أوسع من الرياضة: معنى الحرية.
شوارع بلباو تتكلم باسم غزة
قبل ساعات من انطلاق المباراة في ملعب سان ماميس، اكتست شوارع بلباو بأعلام فلسطين التي ارتفعت في مسيرة ضخمة انطلقت من وسط المدينة باتجاه محيط الملعب. كان المشهد أشبه بفعالية شعبية عارمة، إذ خرج مواطنون من مختلف الفئات والأعمار تلبية لدعوات منظمات حقوقية باسكية، للتعبير عن تضامنهم مع الفلسطينيين في ظل الحرب على غزة.
هتف المشاركون بشعارات تطالب بوقف ما وصفوه بالإبادة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، والضغط على إسرائيل للامتثال للقانون الدولي. اللافتات التي حملها المتظاهرون عكست بوضوح المزاج العام في المدينة، من رسائل “Stop Genocide” إلى “فلسطين حرة”، فيما برز حضور علمَي فلسطين والباسك جنبًا إلى جنب، في إشارة إلى التقاطع الرمزي بين نضال الشعبين.
السلطات المحلية أكدت أنها منحت التصاريح للمسيرة، وأن شرطة إقليم الباسك رافقت المتظاهرين لتأمين سير الفعالية بسلاسة، وهو ما بدا واضحًا في مشاهد التنظيم والانضباط خلال المسيرة.

لحظة إنسانية قبل أن تكون رياضية
لم يكن التضامن مقتصرًا على الشوارع فقط؛ فالمنتخب الفلسطيني حظي باستقبال استثنائي منذ وصوله إلى بلباو. احتشد المشجعون لتحية اللاعبين، والتقاط الصور معهم، وإهدائهم القبعة الباسكية التقليدية، في مشهد عكس عمق التعاطف الشعبي مع فلسطين.
كما شهدت تدريبات المنتخب قبل المباراة حضورًا جماهيريًا لافتًا، رافقه هتاف باسم فلسطين وتلويح بالأعلام، ليشعر اللاعبون بأنهم يخوضون مباراة تحمل في طياتها بُعدًا يتجاوز المستطيل الأخضر.
الملعب يتحول إلى لوحة تضامنية
في لحظة الدخول إلى الملعب، اتضح أن اللقاء ليس مجرد مباراة ودية. المدرجات امتلأت بجمهور باسكي رفع الأعلام الفلسطينية بكثافة، فيما ظهر “تيفو” مشترك يجمع ألوان البلدين. وقبل صافرة البداية، وقف اللاعبون وهُم يحملون لافتة كبيرة تطالب بوقف الإبادة في غزة، وسط تصفيق الجماهير وهتافاتها المؤيدة.
تبادلت بعثتا المنتخبين الهدايا الرمزية؛ الفلسطينيون قدموا الكوفية، والباسكيون قدموا الورود البيضاء، في رسالة سلام اتسقت مع الطابع العام للمباراة. لم يغب البعد الثقافي عن الحدث، إذ تخلل اللقاء حضور فنانين وفرق موسيقية محلية شاركت في عروض قصيرة دعمت رسالة الفعالية.

منافسة رياضية بروح أخوية
على المستوى الفني، بدأت المباراة بوتيرة جيدة من الجانبين، لكن الأفضلية كانت لمنتخب الباسك الذي نجح في استثمار فرصه، لينتهي اللقاء بفوزه بثلاثة أهداف مقابل لا شيء. وبدا واضحًا أن النتيجة لم تكن محور الاهتمام، لا بالنسبة للجماهير، ولا للمنظمين، ولا حتى للفريقين؛ إذ طغت الروح التضامنية على كل تفاصيل المباراة.
اللاعبون الفلسطينيون عبّروا عقب اللقاء عن فخرهم بالمشاركة في هذا الحدث التاريخي، مؤكدين أن رسالتهم وصلت وأن وجودهم في هذا الملعب كان “صوتًا لغزة” كما وصفه بعضهم.
حدث سياسي وإنساني بغطاء رياضي
لم يكن اختيار الباسك لهذه المباراة وليد اللحظة؛ فالإقليم الذي يحمل تاريخًا طويلًا من الكفاح من أجل هويته واستقلاله، يرى في فلسطين قضية قريبة من وجدانه. وقد ربطت منظمات محلية بين مأساة الشعب الفلسطيني ومأساة مدينة غيرنيكا التي تعرضت للقصف خلال الحرب الأهلية الإسبانية، ما أضفى على اليوم دلالة إنسانية مضاعفة.
كما لقيت المباراة اهتمامًا واسعًا من وسائل الإعلام الإسبانية والدولية، التي وصفتها بأنها “يوم تضامن يُترجم من خلال الرياضة”، وبأنها لحظة نادرة تتمكن فيها قضية إنسانية من فرض حضورها في ملعب كرة قدم أوروبي بهذا الحجم.
خرجت فلسطين من سان ماميس بما هو أهم من الأهداف. خرجت بصوتٍ جديد، بدعمٍ شعبي واسع، وبصورة إنسانية وصلت إلى ملايين حول العالم.
كانت المباراة منصة رفع فيها الباسك وفلسطين معًا رسالة واحدة: "أن الرياضة قادرة على كسر الصمت، وأن التضامن حين يخرج من المدرجات يصبح موقفًا سياسيًا لا يمكن تجاهله".
