في قطاع لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، تقف غزة اليوم على حافة كارثة ممتدة لعقود. فبحسب تقديرات أممية وتقارير دولية، تحولت أحياء القطاع إلى حقلٍ كثيف من الذخائر غير المنفجرة، مع معدل يُعد الأعلى عالميًا: 58 قطعة متفجرة في كل كيلومتر مربع.
هذا التلوث غير المسبوق بالذخائر – الذي قد يفوق ما شهدته مناطق النزاعات الكبرى في الشرق الأوسط وأوروبا – لا يشكل خطرًا آنيًا على المدنيين فحسب، بل يعيد تشكيل حاضر غزة ومستقبلها لعقود طويلة.
20 ألف قطعة متفجرة.. ومعركة البحث عن الأسرى
تقدّر الأمم المتحدة وجود أكثر من 20 ألف قطعة ذخيرة غير منفجرة منتشرة بين الأنقاض وفي باطن الأرض. هذا الواقع يعرقل حتى العمليات التي تعتبرها إسرائيل “أولوية كبرى”: البحث عن رفات الأسرى الإسرائيليين.
فأي عملية بحث تتطلب مسحًا هندسيًا دقيقًا، ومعدات ثقيلة، وخبراء متخصصين في تفكيك المتفجرات، لكن القيود الإسرائيلية على دخول هذه المعدات والخبراء تجعل العملية شبه مستحيلة.
وتزيد كثافة الركام ودمار البنية التحتية من خطورة أي محاولة لاستخراج الجثامين أو تحديد مواقع الانفجار.

إيكونومست: غزة قد تكون أخطر منطقة ملوثة بالمتفجرات في العالم
حذّر تقرير نشرته مجلة إيكونومست البريطانية من أن غزة – بسبب حجم وكثافة القصف – “قد تحتوي على أكبر عدد من القنابل غير المنفجرة في أي منطقة صراع في العالم”.
وأشارت المجلة إلى أن جزءًا من القنابل أُلقي بقصد التفجير المتأخر، بحيث تنفجر داخل المباني أو في باطن الأرض، ما يزيد من صعوبة اكتشافها وإزالتها. ويؤكد خبراء أنه كلما زادت مدة بقاء هذه القنابل تحت الأنقاض، أصبح التعامل معها أكثر خطورة وتعقيدًا.
خطر لا يتوقف بعد الحرب
تشير قاعدة بيانات أممية إلى أن أكثر من 53 مدنيًا قُتلوا خلال العامين الماضيين نتيجة انفجار مخلفات الحرب، إلى جانب إصابة مئات آخرين.
لكن منظمات الإغاثة تعتقد أن العدد الحقيقي أعلى بكثير، نظرًا لغياب نظام توثيق فعّال وانخفاض القدرة الطبية على رصد كل الحالات.
واحدة من القصص التي ذكرها تقرير إيكونومست تعود للطفلة نبيلة الشرباصي (6 سنوات)، التي كانت تلعب مع شقيقها بقنبلة صغيرة ظنّاها لعبة، فانفجرت بين أيديهما وأصابتهما بجروح خطيرة.
قصة نبيلة ليست استثناءً، بل مثالًا متكررًا في قطاع يعيش فيه أكثر من مليون طفل وسط أخطر مخلفات حرب في العالم.

7 آلاف طن من المتفجرات.. و40% من الأحياء ملوّثة
وفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن كمية الذخائر غير المنفجرة في غزة تتجاوز 7 آلاف طن، وهي كمية هائلة قد تستغرق عقودًا لإزالتها.
وتقدّر الجهات الأممية أن هذه المخلفات منتشرة في نحو 40% من الأحياء السكنية، مع تركّز كبير يناهز 3 آلاف طن في مناطق بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا التي تعرضت لقصف مكثف.
إزالة الألغام.. مهمة قد تستغرق 30 عامًا
بحسب منظمة "هيومانيتي آند إنكلوجن"، قد يستغرق تطهير غزة من الذخائر غير المنفجرة بين 20 و30 سنة إذا توفرت المعدات والخبرات اللازمة.
أما في الظروف الحالية – حيث تمنع إسرائيل دخول المعدات “ذات الاستخدام المزدوج”، بما فيها الآليات الثقيلة وأجهزة الكشف الأرضي – فإن المدة قد تكون أطول بكثير.
يقول خبير إزالة المتفجرات في المنظمة، نيك أور: “إزالة الأنقاض تمامًا لن تحدث أبدًا، لأن جزءًا كبيرًا من الذخائر مدفون تحت الأرض. سنظل نعثر عليها لأجيال، تمامًا كما حدث في مدن أوروبية بعد الحرب العالمية الثانية”.

غزة أصعب من الموصل.. ولا مكان لإجلاء السكان
تشير إيكونومست إلى أن الأمم المتحدة ما زالت تكافح لإزالة الذخائر غير المنفجرة في الموصل رغم توفر المعدات والدعم اللوجستي.
وتؤكد أن الوضع في غزة أكثر خطورة لسببين:
- كثافة القصف الإسرائيلي فاقت ما شهدته الموصل بكثير.
- استحالة إجلاء السكان إلى مناطق آمنة، بعد أن دُمّر الجزء الأكبر من القطاع ولم يعد هناك مكان يمكن اعتباره خاليًا من المخاطر.
قيود إسرائيل: العائق الأكبر أمام التفكيك
تعهدت بريطانيا بتقديم 4 ملايين جنيه إسترليني لدعم جهود الأمم المتحدة في إزالة الألغام. لكن إيكونومست تؤكد أن التمويل ليس المشكلة الأساسية، بل القيود الإسرائيلية الصارمة على إدخال المعدات والخبراء الفلسطينيين والدوليين.
فمعظم الأدوات المطلوبة – حتى البسيطة منها – مدرجة في قائمة إسرائيل لـ "المواد مزدوجة الاستخدام".
هذا دفع فرق إزالة الألغام في غزة إلى اللجوء لأساليب بدائية، مثل استخدام أكياس الطعام المملوءة بالرمل كحواجز واقية بدل الحواجز المخصصة للتفجير الآمن.
مستقبل تحت الخطر
وسط هذا الواقع، يعيش 2.2 مليون فلسطيني في قطاع محاصر محاط بالألغام فوق الأرض وتحتها.
عمال الإغاثة يواجهون خطورة يومية، والأطفال يلعبون على أنقاض قد تحتوي على قذائف شديدة الانفجار، والمزارعون يحاولون العودة إلى أراضيهم التي تحولت إلى حقول موت.
ويحذر الخبراء من أن إعادة إعمار غزة أو عودة الحياة الطبيعية غير ممكنة دون تطهير شامل للقطاع من الذخائر غير المنفجرة. لكن هذا الهدف يبقى بعيدًا في ظل القيود المفروضة والدمار الهائل.
ولن تتوقف آثار حرب غزة بانتهاء القصف. فالمتفجرات التي لم تنفجر بعد، المدفونة في الركام وتحت البيوت، ستواصل قتل الفلسطينيين وتشويه حياتهم لعقود.
وفي غياب تحرك دولي واسع، وإزالة القيود الإسرائيلية على دخول المعدات المتخصصة، ستبقى غزة واحدة من أخطر بقاع الأرض، وسيبقى خطر الموت مخفيًا تحت كل حجر وفي كل شارع.