قبل ثلاثة أشهر اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الصحفية فرح أبو عياش من منزلها في بلدة بيت أمر شمال الخليل.
دخلت فرح منذ تلك اللحظة بابًا مفتوحًا على عالم من العتمة والتنكيل، عالمٍ يبدأ بركلة على باب البيت في منتصف الليل ولا ينتهي إلا عند زنزانة تحت الأرض تعجّ بالصراصير والحشرات والبرد.
ونقل محاميها شهادة الأسيرة حينما سُمح له بلقائها، مشيرًا إلى أنها لم تتوقع للحظة أنها ستكون المستهدفة، لكن مشهد الجنود الكثيرين والمجنّدات والجيبات العسكرية كان كافيًا ليعلن بداية الرحلة.
رُبطت على كرسي خارج مركز التحقيق في "كرمي تسور"، بجانب ماسورة تنقّط عليها مياه قذرة، ثم شُدّت يداها ببلاستيك أبيض حتى انتفخ شريانها، واضطر ضابط لقصّ الرباط. وبينما كانت تحاول التقاط أنفاسها، كانت الكلاب تنهش سروالها في محاولة واضحة لإذلالها قبل أن يبدأ التحقيق الحقيقي.
وتقول: "في عتصيون، كانت الغرفة محاطة بعلب كهرباء، وكانت المجنّدات يركّزن على أمر واحد: محو صفتي كصحفية. أجبروني على إعطاء كلمة مرور هاتفي، وأصرّوا على التعمق في تفاصيل عملي رغم أنه كان بشفافية مطلقة."
ثم جاءت المرحلة الأكثر رعبًا في المسكوبية، التي وصفتها بوضوح: "فيلم رعب". دخلت المكان مكبّلة اليدين والرجلين معًا، وفوقهما جنزير ثقيل يضغط على كتفيها. تعرّضت للضرب من وحدة النحشون، ثم جرّتها مجندة من شعرها ودفعت رأسها نحو الحائط وهي تصرخ بها: "بوسي علم إسرائيل". رفضت فرح، فانهالت عليها ركلات إضافية بينما كانت مريضة ومنهكة.
ولم تتوقف المعاناة هناك. نُقلت إلى الرملة، حيث وُضعت في غرفة مظلمة، ثم إلى زنزانة تحت الأرض تحولت إلى كابوس حقيقي: "كلها صراصير وحشرات وبقّ… عيّطت كل الليل… كل جسمي ووجهي صراصير، وعلاماتها لليوم."
وبين هذه التنقلات كانت تفقد الوعي أكثر من مرة بسبب البرد القارس، وتصف سفر البوسطة بأنه "مرعب". وبعد 55 يومًا انتهت بها الرحلة في الدامون، لكن آثار الرحلة السابقة كانت قد حفرت ندوبها العميقة.
ورغم كل ما مرّت به، كان أكثر ما جرح صوتها قولها: "عتبانة على الزملاء الصحافيين… ما عملوا ضجة إعلامية… الاعتقال على خلفية عملي الصحافي." تقولها بمرارة، كأنها تشير إلى فجوة بين التضامن المنتظر والواقع.
وحين تحدثت عن عائلتها، انقلب المشهد من زنزانة باردة إلى بيت دافئ تفتقده. تحدثت عن القصائد التي كانت تكتبها لأمها، وطلبت منها دعوة خطيبة أحمد على "مقلوبة من فرح". أرسلت لأخيها التهنئة وطلبت ألا يقيم العرس دونها، وكتبت لصابرين "توأمها" أنها تشتاق إليها أكثر من أي شيء، وطلبت منها أن تعتني بناية وإيلين.
وفي نهاية الزيارة، قبل أن يُغلق باب السجن خلفها، سألت المحامي ببراءة تتسلل من تحت كل ذلك الألم:
"شو اسم خطيبة أحمد؟ من دار مين؟ مين راح على قراءة الفاتحة؟ إمتى العرس؟ استنّوني."