"إسرائيل" تعيد تشكيل الحياة بغزة عبر منع السلع الأساسية وتفريغ الأسواق

الرسالة نت - خاص

في الوقت الذي كان يفترض فيه أن يحمل وقف إطلاق النار بارقة أمل لسكان قطاع غزة، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض قيود مشددة على تدفق المواد الأساسية، مانعة دخول مئات الأصناف الحيوية اللازمة لإعادة تشغيل الحياة.
ورغم أن البروتوكول الإنساني ينص على إدخال 600 شاحنة يوميا كحد أدنى، فإن الأعداد الفعلية التي تسمح إسرائيل بمرورها تبقى أدنى بكثير من الاحتياج الحقيقي، ما يفاقم الأزمة البشرية والمعيشية التي يعيشها أكثر من 2.4 مليون فلسطيني داخل القطاع.
ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن الاحتلال يمنع إدخال أكثر من 350 صنفا غذائيا وصحيا يحتاجها الأطفال والمرضى والجرحى، بينما يسمح بدخول سلع ثانوية منخفضة القيمة الغذائية، مثل المشروبات الغازية والشوكولاتة والوجبات المصنعة.
هذا الخلل المتعمد في منظومة الإمدادات ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي، ويؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، إذ تصل بعض السلع إلى السوق بقيمة تفوق سعرها بأكثر من 15 ضعفاً بسبب التحكم الكامل في سلاسل التوريد.
مرحلة حصار جديدة
ومع اقتراب فصل الشتاء وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على إدخال المساعدات، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من الحصار تقوم على تفريغ الأسواق من السلع الأساسية، وحرمان القطاعات الاقتصادية من المواد اللازمة لتشغيلها.
ورغم مرور أسابيع على وقف إطلاق النار، ما زالت سلطات الاحتلال تفرض سياسة تضييق ممنهجة على إدخال المواد الأساسية إلى قطاع غزة، ما أدى إلى شلل واسع في الحياة اليومية، وارتفاع صادم في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.
فبينما ينص البروتوكول الإنساني على دخول 600 شاحنة يوميا بين مساعدات وشاحنات تجارية، لم تسمح إسرائيل سوى بدخول 4453 شاحنة من أصل 15,600 كان من المفترض إدخالها منذ بدء وقف إطلاق النار، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي.
وتتركز سياسة المنع الإسرائيلية على أصناف أساسية كانت تشكل عصب الحياة اليومية، من بينها اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك والأجبان ومشتقات الألبان والخضراوات والمكملات الغذائية والأصناف الضرورية للحوامل والمرضى وذوي المناعة الضعيفة.
في المقابل، تفتح المعابر أمام سلع أقل حاجة مثل المشروبات الغازية والحلويات المصنعة، وهي مواد لا تشكل أي قيمة غذائية في ظل أزمة إنسانية عميقة، بينما تباع بأسعار تتجاوز قيمتها الحقيقية بأكثر من عشرة أضعاف في بعض الأحيان.
كما أدت القيود الإسرائيلية إلى تباطؤ شديد في تدفق المواد الطبية، إذ تشير منظمة أطباء بلا حدود إلى أنها لا تتمكن من إدخال أكثر من خمس شاحنات أسبوعيا، وهي كمية لا تكفي لتغطية جزء بسيط من الاحتياجات الطبية الطارئة.
ويعتبر قطاع قطع غيار السيارات أحد أبرز ضحايا هذه الإجراءات، إذ تواجه الورش والتجار منعا تاما لدخول أي صنف يتعلق بالمركبات.
وفي هذا السياق، يروي التاجر أبو محمود، صاحب ورشة لبيع قطع الغيار في وسط غزة، تفاصيل المعاناة قائلا: "الاحتلال يتعامل مع قطع الغيار وكأنها أسلحة، رغم أنها أساس الحركة داخل القطاع، القطعة التي كان سعرها 200 شيكل تباع اليوم بأكثر من 1500 شيكل، إذا توفرت أصلا، نحن في ورش السيارات نعمل بما تبقى في المخازن، ومعظم القطع نفدت".
ويضيف أبو محمود أن أزمة الأسعار لا تتعلق فقط بالندرة، بل بغياب البديل: "زبائن يأتون يوميا لطلب فلتر زيت أو مسّاحة زجاج، ولا يجدونها، الناس تبقي سياراتها معطلة أمام منازلها لأنها لا تستطيع إصلاحها، وهذا يضر الحركة التجارية والنقل الداخلي ويوقف شاحنات التوزيع التي يعتمد عليها السوق".
ويصف أبو محمود الوضع بأنه "الأسوأ منذ عقود"، مضيفا: "أسعار قطع الغيار ارتفعت سبعة إلى ثمانية أضعاف، حتى المولدات التي نحتاجها للورشة تحتاج لصيانة وقطع غيار، وهذه أيضا ممنوعة، نحن أمام شلل مزدوج، قطع غيار ممنوعة وورش غير قادرة على العمل، قطاع كامل يتجه للانهيار".
أزمة تتسع
من جانبها، تحذر المؤسسات الدولية من استمرار الانهيار، إذ قال المتحدث باسم أطباء بلا حدود إن تدفق المساعدات "يكاد يتوقف"، وإن المرافق الصحية على حافة الانهيار التام.
كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن تعافي الأطفال من الصدمات سيستغرق سنوات طويلة، وأن استمرار القيود سيؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة مع اقتراب الشتاء.
وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد الدعوات الدولية للضغط على إسرائيل لفتح المعابر بشكل فعلي، والسماح بدخول المواد الغذائية والطبية وقطع الغيار والوقود والمستلزمات الأساسية دون قيود.
ولعل غياب التدفق الطبيعي للسلع لا يوقف فقط عجلة الحياة، بل يعمق الانهيار الاقتصادي ويهدد بخلق موجة جديدة من الأزمات الإنسانية التي قد تكون أشد وطأة مما سبق.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير