بعد تسليم المقاومة في غزة معظم جثث قتلى الجيش (الإسرائيليين)، عاد ملف معبر "رفح البري" إلى الواجهة من جديد، وسط تساؤلات حول الجهة التي تملك فعليًا قرار فتح بوابة المعبر الوحيد الذي يربط سكان القطاع بالعالم الخارجي.
هذه الخطوة، التي رأت فيها (إسرائيل) مؤشرًا على تقدّم في مسار استعادة جثث قتلاها، أعادت تحريك النقاش حول مصير المعبر وآلية تشغيله.
ورغم أن الاحتلال أعلن أنه يستعد لفتح معبر رفح الأسبوع القادم، إلا أن تصريحاته جاءت مشروطة ومحدودة الاتجاه، إذ تحدث عن فتحه فقط "لخروج سكان غزة" دون السماح بالدخول أو بعودة تدفق المساعدات.
هذا الموقف أثار رد فعل مصرية خاصة في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي تتطلب فتحًا كاملًا للمعبر لا مجرد ممر أحادي الاتجاه، والتي أكدت أن أي فتح لمعبر رفح، حين يحدث، سيكون "للدخول والخروج معًا" وفق الاتفاقيات القائمة، نافية وجود تفاهمات تسمح بفتحه باتجاه واحد فقط.
هذا التباين بين الروايتين (الإسرائيلية) والمصرية يسلّط الضوء على تنصل الاحتلال من اتفاق وقف إطلاق النار ويسعى لتحويله إلى ورقة سياسية وأمنية.
حيث يقدّم الاحتلال مبررًا أساسيًا لهذا الربط، إذ يعتبر أن معبر رفح — بوصفه المنفذ البري الوحيد لسكان غزة في اتجاه مصر والعالم — يمثّل “بطاقة تفاوض” يمكن استخدامها للضغط على المقاومة.
فإذا تم إغلاق ملف الرهائن والجثث بالكامل، فإن الاحتلال سيبدأ ربط فتح المعبر والتسهيلات عليه بشرط نزع سلاح المقاومة في غزة، وهو منافي تماما لما جرى الاتفاق عليه.
في المنطق الإسرائيلي، هذا الربط يمنح الحكومة أداة ضغط إضافية؛ إذ يجري التعامل مع المعبر ليس فقط كطريق لخروج الجرحى أو المدنيين، بل كبند في “صفقة تبادل” تجعل فتحه مرهونًا بالتقدم في نزع سلاح المقاومة.
كما يتيح لهم هذا الأسلوب التحكم التدريجي في حركة المدنيين والمساعدات، واعتبار فتحه خطوة مرتبطة بتحقيق "إنجاز سياسي" داخلي.
ورغم أن اتفاق وقف النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 نصّ على إعادة فتح معبر رفح أمام حركة السكان والمساعدات، فإن الاحتلال أرجأ التنفيذ مرارًا.
وقد أدّى ذلك إلى تأخير كبير في دخول المساعدات الطبية والدوائية، وعرقلة خروج آلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون علاجًا عاجلًا في الخارج.
ومن المهم القول إن هذا الربط (الإسرائيلي) لمعبر رفح من أجل تحقيق مصالحها التي فشلت في انتزاعها من المقاومة خلال عامين من حرب الإبادة يترك آثارًا قاسية على غزة:
أولًا، استمرار المعاناة الإنسانية، مع بقاء آلاف الجرحى والمرضى دون إمكانية للخروج.
ثانيًا، تعطيل دخول المواد الأساسية والإغاثية.
ثالثًا، تحويل المدنيين إلى رهائن في لعبة سياسية لا علاقة لهم بها.
رابعًا، زيادة الضغط على الأهالي عبر إبقائهم بين خيارين أحلاهما مرّ: البقاء وسط انهيار الخدمات أو محاولة الخروج دون ضمانات.
من زاوية سياسية، يرى الاحتلال في معبر رفح “عصًا ضغط” لا مجرد معبر إنساني.
فربط "معبر رفح" بملفات أخرى يمنح الحكومة الإسرائيلية ذريعة لتمديد السيطرة على حركة غزة، وتحويل بوابة رفح إلى عنصر في حساباتها الأمنية والتفاوض.