عاد اسم توني بلير إلى التداول، لكن ليس بوصفه مرشحًا لدور جديد، بل كشخصية جرى استبعادها من مسار سياسي تحاول واشنطن تشكيله لإدارة غزة في المرحلة المقبلة.
فالرجل الذي تنقّل لسنوات بين رئاسة الحكومة البريطانية ومهمات الوساطة الدولية، خرج من قائمة الأسماء المطروحة لهيكلة الإدارة الجديدة للقطاع.
ويعكس هذا التطور ما هو أبعد من مجرد تعديل في قائمة المرشحين؛ إذ يشير إلى حساسية الدور الغربي في الملفات المتعلقة بغزة، وإلى حدود قبول المنطقة لشخصيات ارتبطت سياساتها السابقة بذاكرة عربية مثقلة.
كما يكشف أن ترتيبات ما بعد الحرب لا تزال محل نقاش وتجاذب، خصوصًا مع الاعتراضات التي أدت إلى إسقاط اسمه من الطرح.
استبعاد توني بلير
قال الكاتب على أبو رزق إن استبعاد توني بلير من ترتيبات "اليوم التالي" في غزة مهم، لكنه لا يعني أن الخطة الأمريكية فشلت، فما زالت التفاصيل غير واضحة.
وأضاف أن النقطة الأساسية هي ضمان أن تكون الترتيبات المقبلة فلسطينية خالصة، دون المساس بالهوية الوطنية.
وأوضح أن تصريح موسى أبو مرزوق بشأن تدمير معظم قدرات غزة يُضعف ذريعة الاحتلال لنزع السلاح.
وأشار إلى أهمية الاستمرار في الدبلوماسية والتواصل مع الوسطاء لمنع العودة إلى العنف.
وفي ذات السياق، قال الكاتب وسام عفيفة إن فايننشال تايمز أكدت استبعاد توني بلير من المرشحين لعضوية “مجلس السلام” الذي يُخطط لإدارة غزة بعد الحرب، بسبب اعتراضات من دول عربية وإسلامية.
وأضاف أن أهمية الخبر تكمن في أن بلير كان الشخصية الأساسية المتوقعة لقيادة إدارة ما بعد الحرب والتنسيق بين العواصم، ولذلك فإن سقوطه يكشف أن خطة “اليوم التالي” الأمريكية ليست مستقرة.
وأوضح أن الاستبعاد يعكس صراع نفوذ واضحًا حول مستقبل غزة، ورسالة عربية مفادها أن المنطقة لن تقبل بدور هامشي بينما يجري القرار بين واشنطن وتل أبيب فقط.
وأكد أن هذا التطور قد يغيّر الأسماء والمقاربات، ويفتح المجال لدور فلسطيني وإقليمي أكبر في المرحلة المقبلة.
الوصاية الخارجية
وقال الباحث في الشؤون السياسية بهاء شعت، إن رفض ترشيح بلير ارتبط بعوامل عدة، أهمها مواقف دول عربية وإسلامية مؤثرة، إضافة إلى موقف المكونات الفلسطينية التي لم تبد حماسة لوجوده ضمن أي إطار إداري يمس مستقبل القطاع. فالرجل يحمل إرثا مثيرا للجدل أثر مباشرة في صورة دوره المحتمل.
وتابع شعت من أهم الأسباب الدور السلبي الذي لعبه بلير في غزو العراق عام 2003، حين كان أحد أبرز الداعمين للرئيس الأميركي جورج بوش. هذه المشاركة ما زالت تعد جرحا مفتوحا في الذاكرة العربية، وتؤدي تلقائيا إلى التشكيك بأي دور جديد قد يتولاه في المنطقة. ولا يتوقف الأمر عند العراق، فالمسار السياسي لبلير بعد مغادرته رئاسة الحكومة تخللته ارتباطات واستشارات مع حكومات وشركات في ملفات أفغانستان وغيرها، ما عزز صورته كشخصية تعمل وفق مصالح غربية لا تتوافق غالبا مع تطلعات الشعوب العربية.
وقالت الكاتبة رويدة السيوطي إن قرار استبعاد توني بلير من «مجلس السلام لغزة» يعبر عن رفض واسع لأي وصاية خارجية على القرار الفلسطيني.
وأضافت أن بلير الذي ارتبط اسمه بسياسات التدخل والحروب في المنطقة لا يمكن أن يكون وسيطًا مقبولًا أو نزيهًا في ملف بهذا التعقيد.
وأشارت إلى أن الشعب يرفض أن يُدار مصيره عبر وجوه جُرّبت سابقًا وفشلت.
وأكدت أن بناء السلام يحتاج إلى أصوات جديدة وشراكة قائمة على احترام الإرادة الوطنية، معتبرة أن ما حدث ليس شخصنة بل دفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم دون إملاءات.
وفي المقابل، قد يفتح استبعاد توني بلير الباب أمام إعادة بناء المشروع المطروح لإدارة غزة على أسس مختلفة، تقوم على الشراكة بدل الهيمنة، وعلى تمثيل حقيقي لأولويات الفلسطينيين لا لمصالح القوى الكبرى.
ومع بقاء السيناريوهات مفتوحة بين اختيار شخصية دولية مقبولة أو صيغة إقليمية–فلسطينية أكثر استقلالًا، سيظل معيار القبول الشعبي عنصرًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات جديدة.
وعليه، فإن خروج بلير من الطرح لا يبدو مجرد تبديل للأسماء، بل مؤشر على تحوّل أعمق في فهم طبيعة المرحلة المقبلة، وإدراك متزايد بأن غزة لم تعد تحتمل تكرار نماذج الوصاية أو التجارب الخارجية، حيث تتطلب المرحلة القادمة مقاربة أكثر حساسية وواقعية، تضع مستقبل القطاع بيد من يملكون القدرة على التعبير عن مصالحه واحتياجاته الحقيقية.