"إسرائيل" بلا قيود: عقيدة أمنية جديدة تُشرعن الاغتيال والتهجير وتفجير الإقليم

الرسالة نت - متابعة

لا تُقرأ المقالة المنشورة في مجلة فورين أفيرز الأمريكية بوصفها تحليلًا أكاديميًا محايدًا، بل باعتبارها وثيقة سياسية–أمنية تشرح، من داخل العقل الإسرائيلي الرسمي، ملامح التحول الجذري في العقيدة الأمنية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. 
فالكاتبان، مئير بن شبات (مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق) وأشر فريدمان، لا يكتفيان بتشخيص ما جرى، بل يقدّمان خريطة طريق صريحة لمرحلة جديدة تقوم على القوة العارية، وتجاوز الحدود، وإعادة هندسة المنطقة بالقوة، دون اكتراث بالقانون الدولي أو بحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.

الصدمة التأسيسية: السابع من أكتوبر كنقطة كسر

ويرى بن شبات وفريدمان أن هجوم السابع من أكتوبر شكّل زلزالًا وجوديًا داخل "إسرائيل"، أسقط ما تبقى من أوهام “الاحتواء” و”إدارة الصراع”. فالحدث، بحسب الكاتبين، أثبت أن التعايش مع قوى مقاومة على حدود فلسطين  المحتلة بات مستحيلًا، وأن أي قبول بوجود حركات مثل حماس هو تهديد مباشر لبقاء دولة الاحتلال.
من هذا المنطلق، يبرران التخلي عن النماذج الأمنية السابقة، التي اكتفت بالردع وإضعاف الخصوم، لصالح نموذج جديد يسعى إلى الهزيمة الكاملة وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية استباقيًا، حتى لو استدعى ذلك حروبًا متعددة الجبهات وتكلفة سياسية وأخلاقية باهظة.

كسر الخطوط الحمراء: الاغتيال سياسة معلنة

وتُظهر المقالة بوضوح أن "إسرائيل" – وفق رؤية كاتبيها – لم تعد تعترف بما كان يُعرف سابقًا بـ”الخطوط الحمراء”. فعمليات الاغتيال التي نُفذت أو يُلمّح إليها في إيران ولبنان وسوريا وقطر، لم تعد استثناءً سريًا، بل تحوّلت إلى أداة علنية ضمن العقيدة الأمنية الجديدة.
ويؤكد بن شبات أن "إسرائيل" لن تمنح الحصانة لأي قائد أو مسؤول سياسي أو أمني تعتبره متورطًا في ما تسميه “الإرهاب”، بغض النظر عن موقعه أو دولته، في تحول يعكس شرعنة الاغتيال العابر للحدود بوصفه سياسة دولة، لا عملية استخباراتية محدودة.

غزة أولًا: حرب الإبادة كاختبار للعقيدة

ويعتبر الكاتبان أن الحرب على قطاع غزة هي الاختبار الحاسم لهذه الإستراتيجية. فالقضاء الكامل على حماس، وفق طرحهما، ليس خيارًا بل ضرورة وجودية، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير شامل للبنية التحتية وقتل أعداد كبيرة من المدنيين.
وتذهب المقالة إلى حد اعتبار أن نزع السلاح الكامل لغزة بالقوة هو السبيل الوحيد لتحقيق “الأمن الحقيقي” لـ"إسرائيل"، مع رفض قاطع لأي صيغة تُبقي حماس لاعبًا سياسيًا أو عسكريًا، سواء بشكل مباشر أو عبر واجهات إدارية أو دولية.

الاحتلال الدائم: السيطرة لا الإدارة

وفي أحد أخطر فصول المقالة، يطرح الكاتبان فكرة احتفاظ "إسرائيل" بالسيطرة الأمنية طويلة الأمد على أجزاء من قطاع غزة، خصوصًا الشمال والمناطق الحدودية، لمنع إعادة بناء قدرات المقاومة. 
ولا يستبعدان الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها كأداة أمنية مشروعة.
كما يرفضان أي رهان على قوات دولية أو إدارات مدنية محلية، معتبرين أنها لن تكون قادرة أو راغبة في مواجهة ما تبقى من قدرات حماس، ما يعني عمليًا تكريس نموذج الاحتلال الأمني المباشر أو غير المباشر.

التهجير “الطوعي”: إعادة إحياء فكرة التطهير السكاني

وتتجاوز المقالة حدود التبرير العسكري لتصل إلى طرح صادم يتمثل في تشجيع الهجرة الطوعية من قطاع غزة. 
ويستند الكاتبان إلى استطلاعات رأي تزعم استعداد ما بين 30% و50% من سكان القطاع للهجرة إذا أتيحت لهم الفرصة.
ويطرحان هذا الخيار كحل “واقعي” لتقليل الكلفة العسكرية، وتسهيل تدمير الأنفاق، وتسريع إعادة الإعمار لاحقًا، في إعادة إنتاج محدثة لمفهوم التهجير، لكن بغطاء لغوي وسياسي جديد، يتجاهل جذور الصراع وحق الفلسطينيين في أرضهم.

الضفة الغربية: دفن أوسلو وحل الدولتين

وفي الضفة الغربية، تعلن المقالة وفاة نهائية لاتفاقيات أوسلو وحل الدولتين. فالكاتبان يصفان السلطة الفلسطينية بأنها فاسدة وغير موثوقة، ويدعوان إلى تكثيف العمليات العسكرية، ومنع أي بنية تحتية فلسطينية قد تُستخدم لدعم “الإرهاب”.
والأخطر هو الدعوة الصريحة إلى تطبيق القانون الإسرائيلي على وادي الأردن، بما يعني ضمًا فعليًا لنحو 30% من مساحة الضفة الغربية، مع تبرير ذلك باعتبارات أمنية وتاريخية، في تحدٍ واضح للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

إيران والمنطقة: الحرب الاستباقية بلا سقف

وتضع المقالة إيران في قلب التهديدات الوجودية، وتبرر الضربات العسكرية ضد برنامجها النووي والصاروخي، حتى لو أدت إلى حرب إقليمية واسعة. 
ويؤكد الكاتبان أن “التنفيذ دون اتفاق” أفضل من أي اتفاق لا يحقق المصالح الأمنية الإسرائيلية كاملة.
كما يدعوان إلى تشديد العقوبات، وعزل إيران دوليًا، ومنعها من أي قدرة عسكرية استراتيجية، في إطار رؤية لا تخفي استعداد "إسرائيل" لتكرار الضربات متى رأت ذلك ضروريًا.

وتكشف هذه المقالة، المنسوبة لكاتبيها، عن تحول "إسرائيل" من سياسة إدارة الصراع إلى سياسة تفجيره وإعادة تشكيله بالقوة. 
فهي لا تسعى إلى السلام بقدر ما تسعى إلى فرض الاستقرار بالقهر، ولا ترى في الفلسطينيين أو محيطهم العربي شركاء محتملين، بل عوائق يجب إخضاعها أو إزاحتها.
وبينما يقدّم بن شبات وفريدمان هذه الرؤية بوصفها وصفة للأمن والاستقرار، فإنها في جوهرها تشكّل إعلانًا صريحًا عن مرحلة أكثر دموية، تُشرعن الاحتلال الدائم، والاغتيال العابر للحدود، والتهجير، وتضع المنطقة بأكملها على حافة صراع مفتوح طويل الأمد.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي