في تمام الرابعة فجراً، حين كانت القدس ما تزال تتقلب في نصف حلمٍ ونصف كابوس، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي حي وادي قدّوم في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، كإعصارٍ أعمى.
الهدف كان واضحاً: بناية “الوعد”. والنتيجة كانت أوضح: مائة فلسطيني هُجّروا قسراً في دقائق، نصفهم أطفال.
بأعداد تتراوح بين 250 و300 شرطي وجندي، وكلاب بوليسية، أُجبرت 12 عائلة على إخلاء شققها فوراً، دون إنذارٍ فعلي، ودون مهلةٍ لجمع الملابس، أو الأوراق، أو الأدوية، أو حتى ستر الأجساد.
أُطلقَت الكلاب على سكانٍ نيام، ودُفعت الأبواب على نساءٍ في غرف نومهن، ليبدأ الهدم قبل أن يفيق المكان من صدمته.
هكذا يبدأ الخبر...لكن ما بعد الخبر هو الوجع.
من أعلى الجبل، يقف مؤيد برقان، يحدّق في عمارته التي كانت عند سفحه، حجراً فوق حجر، وحياةً فوق حياة. يقول بصوتٍ لا يحمل انكساراً بل حساباً مفتوحاً مع السماء: “دخلوا علينا فجأة. كان من المفترض أن يكون لنا موعد مع البلدية اليوم. قدمنا شكوى، وطلبنا تأجيلاً، لكنهم باغتونا بالكلاب البوليسية. صحوت على كلبٍ بجانب سريري، والجندي يصرخ: اخرج فوراً. خرجنا بلا شيء… لا ملابس، لا أوراق، لا ذكريات.
ويضيف برفان: "أحتسب ذلك عند الله. سنأتي بـ12 خيمة، واحدة لكل أسرة، وننصبها هنا. لن نترك حقنا، ولن نخرج من القدس.”
الخيام هنا ليست مأوى، بل بيان وجود.
في زاويةٍ أخرى من المشهد، تجلس نادرة أبو حطب، سيدة من سكان البناية، تسند جسدها المنهك على “ووكر”، وتبكي. ليست دموع ضعف، بل صدمة من قسوةٍ بلا حد: “لم نأخذ شيئاً. دخلوا على النساء حتى في غرف نومهن. طلبوا منا الخروج دون ملابسنا الساترة. أنا مريضة، أمشي على ووكر، توسلت للجندي أن يمهلني دقائق لأخذ أوراقي الطبية وأدويتي، لكنه كان يصرخ: اخرجي! اخرجي!”
تضع رأسها على الووكر، تراقب الجرافات وهي تجرف شقاء العمر، بيتاً بُني حجراً حجراً، وذاكرةً بُنيت عاماً عاماً. ثم تقول، كمن يوقّع على عهد:
“لن أخرج من القدس. سأبقى هنا، بجانب العمارة، بجانب بيتي، بجانب حقي.”
قربها، طفل في الرابعة عشرة من عمره، واحد من أطفال “الوعد”، يقف صامتاً. خرج كما خرج الجميع: دون حقيبة، دون أوراق، دون أي وثيقة تثبت أن هذا المكان كان يوماً بيتاً له. ينظر إلى البناية وهي تنهار، كأنها تُمحى من سجل الحياة، لا من الأرض فقط.
وبينما كانت الجرافات تواصل عملها، قمعت قوات الاحتلال – المدججة بالسلاح ومعها مستوطنون – احتجاجات الأهالي، في مشهدٍ يتكرر بفظاعةٍ مألوفة في القدس.
محافظة القدس وصفت ما جرى بأنه جريمة تهجير قسري، مؤكدة أن ما يحدث يأتي ضمن سياسة ممنهجة لإفراغ المدينة من أصحابها الأصليين.
الأرقام لا تبكي، لكنها تفضح: نحو 370 عملية هدم وتجريف نُفذت منذ بداية العام الجاري في محافظة القدس وحدها، تمهيداً لمشاريع استعمارية قائمة ومخطط لها.
وبناية “الوعد” ليست إلا حلقةً جديدة في سلسلةٍ طويلة من محو البيوت، وكسر الأعمار، واختبار صبر المقدسيين.
هذه ليست قصة بناية.
هذه قصة مدينة تُهدم كل فجر، وتُبنى كل صباح بأجساد أهلها.