في باحات مجمع الشفاء الطبي، حيث ما زالت الجدران تحمل آثار القصف ورائحة المطهّرات تختلط برائحة الركام، لم يكن احتفالا بتخريج 168 طبيبًا فلسطينيًا بل عرغانا بما قدمه زملاءهم الشهداء.
كان مشهدًا مكثّفًا لمعنى الحياة حين تُنتزع بالقوة، وللمعنى الأعمق للطب حين يُمارَس تحت الموت.
في الصفوف الأمامية، لم يجلس الخريجون وحدهم. جلست أمهات الشهداء الأطباء، وجوهٌ أنهكها الانتظار، وأعينٌ تعرف هذا المكان جيدًا؛ لا كمنصة احتفال، بل كغرفة طوارئ، أو ممر إسعاف، أو ساحة وداع أخير.
أمّ الشهيد الطبيب الشاب سائد ماهر ديرابيه جلست تبكي بصمت، تمسح دموعها وتهمس: «يا ريتني شفته اليوم معهم». لم يكن سائد حاضرًا بجسده، لكنه كان حاضرًا في كل مقعدٍ فارغ.
المقاعد لم تُملأ هذه المرة بأجساد الأطباء فقط، بل بذكراهم. على كل مقعد فارغ، وُضعت وردة وصورة لطبيب شهيد، أولئك الذين لم ينتظروا شهادة، ولم يحتفلوا بلحظة تتويج، لأنهم دفعوا حياتهم ثمنًا لمهنتهم. كانت الصور تحدّق في الحضور بصمتٍ أقسى من أي خطاب.
سائد ماهر ديرابيه، الطبيب الشاب الذي تخرّج من جامعة الزقازيق وعمل طبيبًا مقيمًا في جراحة المسالك البولية والكلى، كان أحد أولئك الغائبين الحاضرين. تطوّع في أقسام الطوارئ خلال الحرب، وانتقل بين مجمع الشفاء والمستشفى الإندونيسي بلا تردّد.
في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2023، خرج لشراء حاجيات لطفله، فاستشهد في سوق شرق مخيم جباليا. ترك زوجته الحامل وطفله الصغير، وترك خلفه قصة طبيب لم يُقتل في غرفة العمليات، بل في الطريق إلى الحياة.
تمسح أمه دمعة وتضيف «كان متفوقًا… كان مؤمنًا برسالته الإنسانية». لم تكن كلماتها خطابًا، بل شهادة أمّ تعرف أن ابنها لم يكن يبحث عن بطولة، بل عن واجب.
في تلك اللحظة، الأطباء الخريجون أدّوا اليمين القانونية، لكن اليمين كان أثقل من الكلمات؛ كان موجهًا إلى صور زملائهم الشهداء، وإلى الأمهات الجالسات في الصفوف الأولى. كان وعدًا غير مكتوب بأن تضحياتهم لن تُنسى.
لم تكن هذه صور انتصار بالمعنى التقليدي، بل صورة صمود. أن يتخرّج أطباء في مستشفى مدمَّر، وأن تُترك مقاعد فارغة عمدًا، هو إعلان واضح بأن القطاع الصحي في غزة ينزف، لكنه لم يستسلم. هنا.
وبين وردة وصورة ودمعة أم، رسمت صورة لزمنٍ يُستشهد فيه الأطباء، ويُصرّ فيه الوطن على أن يُخرّج أطباء جدد… رغم كل شيء.