تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ خطة أمنية موسعة تقوم على إقامة حزام أمني مشدد حول مدينة القدس المحتلة، في خطوة تهدف فعليًا إلى فصل المدينة عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، وتعميق عزلها الجغرافي والسياسي عن باقي الأراضي الفلسطينية.
ويشمل هذا الحزام شبكة معقدة من الحواجز العسكرية الدائمة والمؤقتة، وجدار الفصل العنصري، والطرق الالتفافية، ونقاط المراقبة الإلكترونية، إضافة إلى تشديد نظام التصاريح، ما جعل الوصول إلى القدس مهمة شبه مستحيلة لآلاف الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية.
وبحسب الوقائع الميدانية فقد بات الحزام الأمني لا يقتصر على ذرائع أمنية، بل يُعد أداة مركزية في إعادة رسم الخريطة الديمغرافية للمدينة، عبر تقليص الوجود الفلسطيني داخلها، وربط القدس بالمستوطنات المحيطة بها، مثل “معاليه أدوميم” و“جفعات زئيف” و“غوش عتصيون”، ضمن ما يُعرف بمخطط “القدس الكبرى”.
الأثار الأخطر لمخططات الاحتلال تتمثل في الجانب الإنساني حيث خلّفت هذه الإجراءات آثارًا قاسية على حياة الفلسطينيين، فقد حُرم آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، وتقيّدت حركة المرضى والطلبة، وتفككت الروابط الاجتماعية والعائلية بين القدس وباقي مدن الضفة الغربية، في وقت تشهد فيه القرى المحيطة بالمدينة تراجعًا اقتصاديًا حادًا.
من جهتها، تؤكد مؤسسات حقوق الإنسان أن إقامة حزام أمني حول القدس يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر فرض العقوبات الجماعية وتغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة، مشيرة إلى أن هذه السياسات ترقى إلى مستوى العزل القسري للسكان.
وفي ظل تصاعد الإجراءات على الأرض، تتزايد التحذيرات من أن الحزام الأمني حول القدس يهدد وحدة الضفة الغربية ويقوض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، وسط مطالبات بضرورة تدخل دولي عاجل لوقف هذه السياسات وضمان حرية الحركة وحماية الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة.
فصل الشمال عن الجنوب
وفي أخطر المعطيات والمخططات يبرز مشروع "إي 1 أو E1" ومشروع "القدس الكبرى" كأداة الحسم الإستراتيجي للاحتلال.
ووفقا للبيانات، فإن هذا المشروع لا يكتفي بالسيطرة على 12 كيلومترا مربعا من الأراضي الفلسطينية فحسب، بل يؤسس لممر آمن يربط البحر المتوسط بالأغوار والبحر الميت.
وتشير الأرقام إلى خطة لبناء 4 آلاف وحدة استيطانية و10 فنادق، بهدف تحقيق "انقلاب ديمغرافي" يتمثل في دمج 150 ألف مستوطن داخل حدود القدس، مقابل إخراج 160 ألف فلسطيني خلف الجدار العازل، مما يضع 7 آلاف فلسطيني من التجمعات البدوية أمام خطر التهجير القسري الوشيك وهدم المنازل.
وخلال السنوات الأخيرة باتت الضفة الغربية تخضع لسيطرة 4 كتل استيطانية ضخمة (أريئيل، موديعين عيليت، جفعات زئيف، معاليه أدوميم) تعمل كمدن متكاملة البنية التحتية والإدارية.
ويستحوذ قاطنو هذه الكتل الأربع وحدها على ما نسبته 25% من إجمالي المستوطنين في الضفة الغربية، حيث تضم "غوش عتصيون" الممتدة حتى الخليل نحو 80 ألف مستوطن، و"معاليه أدوميم" 50 ألفا، و"أريئيل" 22 ألفا، مما ينسف أي إمكانية لترابط الدولة الفلسطينية المستقبلية.