لم تكن الليلة الماضية في غزة ليلة شتاء عادية، بل امتحانًا جديدًا للنجاة.
منخفض جوي قطبي آخر هبط على القطاع كما لو أنه يعرف هشاشته، فأطلق أمطاره دفعة واحدة، وترك الرياح تعبث بما تبقّى من خيامٍ لا تشبه المأوى إلا بالاسم.
السماء منخفضة، ثقيلة، والمطر لا يطرق الأرض بل يجلدها، كأنه يضيف طبقة أخرى من القسوة إلى مدينة مثقلة أصلًا بكل ما يفوق الاحتمال.
في مخيمات النزوح، لم يكن الصوت الأعلى للرعد، بل لصرخات الأطفال حين غمرت المياه أرض الخيام، وحين تبللت آخر بطانية جافة. الريح اقتلعت الأقمشة الرقيقة كما تُقتلع الأوراق اليابسة، وأسقطت أعمدة الخيام، فصار الناس في العراء، بلا جدران، بلا سقف، بلا حدٍّ يفصل أجسادهم المرتجفة عن بردٍ لا يرحم.
المطر الذي يُفترض أن يكون بشارة خير، تحوّل في غزة إلى خطر مباشر.
مياه تسللت تحت الأجساد النائمة، وبرك تشكّلت حيث يفترض أن تكون أرضًا صلبة، وخيام غرقت بما فيها. بعض البيوت المدمرة جزئيًا لم تحتمل، فانهارت، لتضيف أسماء جديدة إلى قائمة الضحايا.
وقد سجلت وزارة الصحة بداية موسم الشتاء نحو 31 شخصًا، بينهم أطفال قضوا نتيجة البرد القارس أو سقوط مبانٍ أضعفتها الحرب. أرقام لا تُحصي الألم، لكنها تكشف كيف صار الطقس نفسه أداة موت.
وفي توصيفٍ قاسٍ للواقع، يقول أمجد الشوا رئيس شبكة المنظمات الأهلية، إن هذا المنخفض هو الأسوأ الذي مرّ على قطاع غزة، في ظل وجود نحو مليون ونصف مليون نازح يعيشون في أماكن متفرقة، بين بيوت آيلة للسقوط وخيام هشة.
ويؤكد الشوا أن الوضع الأكثر سوءًا هو حال سكان الخيام، حيث تضررت قرابة عشرة آلاف أسرة لأنها تقيم في خيام لا سيما أولئك الذين يعيشون على شاطئ البحر، بعدما غرقت خيامهم بالكامل.
الوضع – كما يصفه – مأساوي جدًا ولا يُطاق؛ فلا خيارات حقيقية، ولا بدائل، سوى الجهود البسيطة التي تبذلها طواقم الدفاع المدني ومؤسسات المنظمات الأهلية.
لا توجد مساحات أخرى يمكن نقل الخيام إليها، ولا مناطق جافة آمنة، وكل ما يمكن فعله هو محاولة تثبيت الخيام بما توفر من إمكانيات محدودة.
ويشدد الشوا على الحاجة الملحّة إلى خيام جديدة لإنقاذ المنكوبين، خصوصًا في مناطق شاطئ البحر والمواصي ومناطق النزوح الأخرى.
الدفاع المدني يتلقى نداءات استغاثة بلا توقف، وغرف الطوارئ ترفع التحذيرات، لكن الواقع أقسى من كل البيانات.
في غزة لا بنية تحتية تحمي، ولا منازل حقيقية تحجب الريح، ولا كهرباء تكفي لتشغيل مدفأة، ولا وقود، ولا حتى رفاهية الخوف المؤقت؛ فكل شيء دائم، حتى المعاناة.
إنها ليست حالة طوارئ ، ولا مجرد متحان جديد للكرامة الإنسانية.
بل نكبة حقيقية جاءت على هيئة هواء بارد يتسلل إلى العظام، وسماء لا تتوقف عن البكاء، وأرض لا تستطيع ابتلاع هذا الكم من الألم.