بمنخلٍ بسيط.. "أبو إسماعيل" يغربل الركام بحثًا عن رفات عائلته

الرسالة نت - خاص

لم يكن محمود حماد"أبو إسماعيل" – 37 عاما- ، يعرف أن الشيب يمكن أن يسبق العمر، وأن الظهر قد ينحني لا من ثِقل السنين بل من ثِقل الفقد.

قبل عامين، كان "أبو اسماعيل" شابا بملامح حادة، وصوته ثابت، وخطواته سريعة، اليوم  تبدلت ملامحه فلم يعد يُشبه صورته القديمة؛ صار وجهه غائرًا، وكتفاه منحنيتين، وعيناه مطفأتين كهيئة رجل كبير في السن تجاوز السعبني عاما.

حكاية الوجع بدأت في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2023، حين تغيّر كل شيء بعد قصفٌ إسرائيلي استهدف منزله، ففقد طفليه وزوجه وفي أحشائها جنينًا لم يرَ النور.

 لم يكن المشهد لحظة وداع، بل لحظة اختفاء؛ أجساد بقيت تحت الأنقاض، وأرواح ارتقت، بينما تُرك الأب حيًا ليواجه سؤالًا واحدًا فقط: أين هم؟.

لم يستسلم محمود، على مدار عامين كاملين، ظلّ يعود إلى ركام بيته، ينبش الأرض، يحفر بيديه، ينزل تحت مستوى الأرض لأكثر من تسعة أمتار، بجسد مصاب ومنهك، بحثًا عن أي أثر يقوده إلى عائلته، لم يكن يبحث عن الحياة، بل عن الوداع. عن قبر. عن يقين.

بعد محاولات لا تُحصى، لم يعثر إلا على جثمان ابنه البكر إسماعيل، وُجد جسده كاملًا، وكأن الزمن توقّف احترامًا له، كان ذلك عزاءً ناقصًا؛ فرحة ممزوجة بوجع، لأن البقية ما زالوا هناك، بلا أسماء، بلا قبور.

حين عجز عن إخراجهم، لجأ محمود إلى ما هو أبسط وأكثر قسوة" منخلٌ بسيط" جلس على ركام منزله، وانحنى، وبدأ يُغربل الرمل حبّة حبّة، يبحث عن عظمة، عن سن، عن أي شيء يقول له إنهم كانوا هنا. 

لم تعد الملامح تُخبر لمن هذا العظم أو ذاك السن؛ عامان كانا كفيلين بمحو كل ما يُعرّف الجسد، لكنهما لم يمحوا الذاكرة.

تقول شقيقته سمر حماد:"صرت أكره أشوف أخوي(..) مش كره، قهر، محمود عايش بينا جسدًا فقط، أما روحه فاضت مع زوجته وأبنائه، شكله كأنه عايش مية سنة مش سنتين في الإبادة".

تضيف: "من أيام قال خلص، بدّوش يدوّر، بس ما قدر رجع، قعد ينخّل الرمل بإيديه لحد ما لقاهم، فعلاً لقاهم بس النتيجة واضحة: وجهه اتغيّر، ظهره انحنى، وروحه اتكسّرت".

لم تكن مأساة محمود صامتة. نُشرت مناشدات، كُتبت نداءات، وُجّهت رسائل إلى الجهات المختصة، لكن أحدًا لم يستجب. 

في المقابل، ضجّ العالم حين تعلّق الأمر بجثث إسرائيليين، بينما في غزة، كان الآباء يبحثون بأيديهم عن رفات أبنائهم.

اليوم، لم يعد محمود ينتظر، لم يعد يناشد، صار وحده، بمنخله، ووجعه، وإيمانه يقول:وأخيرًا وصلت لرفات زوجتي، وبهذه الطريقة البدائية أجمعها مع جنينها، وإن شاء الله أصل لمن تبقى من أبنائي وبناتي".

ويضيف في دعاءٍ يختصر الرضا رغم الفاجعة:إن كانوا قد حُرقوا وتبخّرت عظامهم، فأنا راضٍ يا رب، وإن بقي أحدهم في مكان آخر، فاللهم ردّ لي ضالتي".

وفي ذات السياق صرح الدفاع المدني أن طواقمه ستواصل عمليات البحث وانتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض ضمن الإمكانات والمشاريع المتاحة، مشيرا إلى أن ضرورة مشاركة جهات أخرى لتوفير آليات ثقيلة، من بواقر وحفارات وكباشات، لاستكمال هذه المهمة الإنسانية.

وشدد على أن الدفاع المدني في قطاع غزة لا يمتلك أي معدات إنقاذ ثقيلة، موضحا أن طواقمه تعمل بأدوات بدائية وبسيطة، بعد أن دمّر الاحتلال معظم مقدرات الجهاز وإمكاناته خلال الحرب.

وأوضحت المديرية أن الدفاع المدني يحتاج إلى نحو 20 باقرًا و20 حفارًا لتمكين طواقمه من انتشال آلاف الجثامين العالقة تحت الأنقاض، وإتاحة الفرصة لذوي الشهداء لدفنهم بكرامة، وفق ما يدعو إليه الدين الحنيف.

وفي السياق ذاته، طرحت المديرية تساؤلات حول دلالات صمت المجتمع الدولي، وازدواجية معاييره في تعريف مصطلح "الإنسانية" في قطاع غزة، ومدى تناقض هذه المواقف مع مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

ونبهت إلى أن القانون الدولي الإنساني وقوانين حقوق الإنسان واتفاقيات جنيف تنص على ضرورة احترام جثامين الموتى وصون كرامتهم، وتُلزم بالكشف عن مصير المفقودين وتحديد أماكن وجودهم.

وجددت المديرية مطالبتها للمنظمة الدولية للحماية المدنية، وللجهات الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بالتدخل العاجل لإدخال المعدات والآلات الثقيلة اللازمة لأعمال البحث عن المفقودين وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض.

كما دعت المنظمات الإنسانية الدولية إلى المشاركة في تنفيذ مشاريع إنسانية تسهم في انتشال جثامين الشهداء، وناشدت الأهالي وذوي الشهداء التعاون معها للمساعدة في التعرف على هويات أبنائهم، متوقعة العثور على جثامين متحللة تغيّرت ملامحها أو تحولت إلى رفات، وربما عدم العثور على آثار لجثامين أخرى نتيجة شدة الانفجارات وضخامة المواد المتفجرة التي استخدمها الاحتلال في قصف تلك المنازل.