تتحول طقوس الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال خلال شهر رمضان إلى اختبارٍ مضاعف؛ اختبارٍ للجسد الذي يرهقه الجوع وسوء التغذية، واختبارٍ للروح التي تُحرم من أبسط ملامح الشهر الكريم.
فبدل أن يكون رمضان مساحة للسكينة والتقرب إلى الله، يصبح زمنًا للمزيد من العزلة والحرمان، حيث يُحاصر الأسرى بين قيود الزنازين وإجراءات مشددة تمسّ حقهم في العبادة ومعرفة مواقيت الصيام والإفطار.
وأكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في بيان نقلته "الرسالة نت" أن إدارة سجن عوفر تحرم الأسرى الفلسطينيين من الصيام والإفطار في الوقت الصحيح، عبر الامتناع عن إبلاغهم بمواعيد أذاني الفجر والمغرب مع حلول شهر رمضان.
ووفق الهيئة، فإن هذا الإجراء يحرم الأسرى من أبسط حقوقهم الدينية، ويضعهم يوميًا أمام حالة من الإرباك بشأن توقيت الإمساك والإفطار.
ولا يقتصر الأمر على عوفر؛ إذ ذكر المحامي خالد محاجنة، أن الأسرى في سجن جلبوع فوجئوا ببداية شهر رمضان، بعدما لم تُبلغهم الإدارة بموعد بدء الشهر.
وقال محاجنة إن أحد الأسرى دخل قاعة المحكمة، فبادره بالتهنئة بحلول رمضان، ليسأله الأسير بدهشة: "اليوم رمضان؟! ما حد قال لنا إنه بلش".
وأضاف محاجنة أن الأسرى يدخلون رمضان بلا سحور، فيما يتحول الإفطار إلى "وجع طويل لا يشبه رمضان بأي شكل"، مشيرًا إلى أنهم منذ أكثر من عامين يُجبرون على الإفطار بفتات الطعام فقط، في ظل تقليص الكميات ورداءة النوعية.
واعتبر أن الاحتلال يحاول طمس فرحة الأسرى بالمناسبات الدينية، وجعل فرحة عائلاتهم ناقصة وموجعة، ضمن سياسة تضييق نفسي ومعنوي متواصلة.
رسالة من عوفر: ارفعوا الأذان
وسبق أن نقل أسرى محررون من سجن عوفر رسالة من داخل السجن، يطالب فيها الأسرى أئمة المساجد في القرى القريبة برفع صوت الأذان، حتى يتمكنوا من معرفة وقت الصلاة.
وتعكس هذه الرسالة حجم العزلة المفروضة عليهم، حيث يصبح صوت الأذان البعيد وسيلتهم الوحيدة لضبط إيقاع يومهم الرمضاني، في ظل تعمد الإدارة حجب المعلومات الأساسية المتعلقة بالمواقيت.
ويرى حقوقيون أن منع الأسرى من معرفة أوقات الصيام لا يقتصر على الإهمال الإداري، بل يشكل انتهاكًا واضحًا لحرية العبادة المكفولة في القوانين والمواثيق الدولية، ويضيف عبئًا نفسيًا مضاعفًا في شهر له خصوصيته الدينية والاجتماعية.
تضييق متواصل في سجن النقب
وفي سياق متصل، أفاد مكتب إعلام الأسرى بأن ظروف احتجاز الأسرى في سجن النقب الصحراوي تشهد مزيدًا من التضييق، مع استمرار الإهمال الطبي وقلة كميات الطعام وتراجع مستوى المعيشة داخل الأقسام. وأوضح المكتب أن عددًا من الأسرى يعانون أوضاعًا صحية مقلقة نتيجة ضعف الرعاية الطبية، إذ يواجه بعضهم التهابات ومشكلات صحية مختلفة دون تلقي العلاج الكافي، ما يفاقم معاناتهم ويعرّض حياتهم للخطر.
كما أشار إلى أن "الفورة" — وهي فترة الخروج إلى ساحة السجن — لا تُمنح بانتظام في بعض الأقسام، وأحيانًا تكون لفترات قصيرة، إلى جانب استمرار سياسة الاعتقال الإداري بحق عدد من الأسرى بعد تجديد أوامر اعتقالهم مؤخرًا، دون محاكمات أو لوائح اتهام.
أرقام تعكس حجم الأزمة
وبحسب مؤسسات فلسطينية معنية بشؤون الأسرى، يقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 9300 فلسطيني، بينهم نحو 350 طفلًا، وسط تقارير عن تعرضهم لتعذيب وتجويع وإهمال طبي أودى بحياة العشرات خلال الفترة الماضية.
من جهته، قال نادي الأسير الفلسطيني إن قوات الاحتلال اعتقلت أكثر من 100 فلسطيني في الضفة الغربية منذ بداية شهر رمضان، مضيفًا أن وتيرة حملات الاعتقال ارتفعت مع بداية الشهر، وشملت نساءً وأطفالًا وأسرى سابقين. وأشار النادي إلى أن هجمات نفذها مستوطنون في مناطق متفرقة شكّلت غطاءً لتوسيع نطاق تلك العمليات.
رمضان خلف القضبان
في المحصلة، يتقاطع الحرمان الديني مع التضييق المعيشي في سجون الاحتلال، ليجعل من رمضان محطة قاسية في حياة الأسرى الفلسطينيين. فبين حرمان من معرفة موعد الأذان في عوفر، ومفاجأة دخول الشهر في جلبوع، وتراجع الظروف الصحية والمعيشية في النقب، تتراكم تفاصيل يومية ترسم صورة قاتمة لواقع يتجاوز حدود السجن إلى معاناة إنسانية مستمرة.
ومع استمرار المناشدات للمؤسسات الحقوقية والإنسانية للتدخل، يبقى آلاف الأسرى أمام واقعٍ رمضاني مختلف، تغيب عنه موائد السحور، ويُختزل الإفطار فيه بفتات طعام، فيما يظل الأذان — الذي ينتظره الصائمون في كل مكان — صوتًا بعيدًا لا يصل إلى الزنازين إلا عبر رجاءٍ مكسور.