تتصاعد التحذيرات في الأوساط الإعلامية والأمنية الفلسطينية من مخاطر التفاعل مع الحسابات التابعة للاحتلال الإسرائيلي على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي تنشط باللغة العربية وتقدم نفسها على أنها منصات تواصل أو خدمات للمواطنين.
ويؤكد مختصون أن هذه الحسابات لا تعمل بمعزل عن المنظومة الأمنية الإسرائيلية، بل تستخدم كأدوات لجمع المعلومات والتأثير على الوعي العام.
وفي ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستجرام، باتت هذه الحسابات قادرة على الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور الفلسطيني، مستفيدة من طبيعة هذه المنصات التي يقوم جزء كبير من مستخدميها بالتفاعل العفوي مع المحتوى دون إدراك كامل لخطورة هذا التفاعل.
ويشير خبراء إلى أن التفاعل البسيط مع هذه الصفحات، سواء عبر التعليق أو الإعجاب أو حتى مشاهدة المحتوى، يمكن أن يتحول إلى مصدر بيانات مهم بالنسبة للأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، التي تستخدم تقنيات تحليل البيانات والخوارزميات المتقدمة لفهم توجهات المجتمع الفلسطيني وشبكات علاقاته.
مخاطر وتحذيرات
ويؤكد مختصون أن الحسابات التي تحمل أسماء مثل "المنسق" أو الحسابات الناطقة باسم الجيش الإسرائيلي أو تلك التي تنشر محتوى باللغة العربية، ليست مجرد صفحات عادية على مواقع التواصل، بل تشكل جزءا من منظومة الحرب النفسية والإعلامية التي يديرها الاحتلال.
بدوره، أكد أستاذ الإعلام وتكنولوجيا الاتصال في الجامعة الإسلامية بغزة، أمين وافي، أن متابعة هذه الصفحات لا يمكن اعتبارها مجرد تصفح عابر، بل هي في كثير من الأحيان دخول طوعي في منظومة حرب نفسية موجهة.
وقال وافي لـ"الرسالة نت" إن هذه الصفحات تشرف عليها جهات رسمية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ويعتقد أن من بينها وحدات متخصصة في إدارة الحرب الرقمية والإعلامية، مثل الوحدة المعروفة بإدارة المحتوى الرقمي الموجه للعالم العربي، والتي تعمل بالتنسيق مع الأجهزة الاستخباراتية المختلفة مثل جهاز الأمن العام "الشاباك" وأجهزة استخبارات أخرى، بحيث تكمل هذه الجهات عمل بعضها البعض في جمع المعلومات وتحليلها.
وأضاف: "هذه الحسابات تُدار من خبراء في الإعلام الرقمي وعلم النفس الاجتماعي، حيث يتم إنتاج الرسائل والمحتوى بناءً على تحليل دقيق لتعليقات المتابعين وردود أفعالهم، فالكثير من المنشورات التي تنشر على هذه الصفحات يتم تصميمها بعد دراسة ردود الجمهور، خاصة تعليقات المستخدمين العاديين الذين قد لا يدركون أنهم يساهمون في توفير بيانات مهمة للاحتلال".
وأشار وافي إلى أن منصات مثل فيسبوك وإنستجرام تُعد بيئة خصبة لهذه الأنشطة، نظرا لكونها تضم أعدادا كبيرة من المستخدمين العاديين، مقارنة ببعض المنصات الأخرى الأكثر تخصصًا. ويستغل الاحتلال هذه البيئة الرقمية لإجراء عمليات قياس للرأي العام وتحليل توجهات الجمهور الفلسطيني.
وحذر من أن التفاعل مع هذه الحسابات لا يقتصر على الجانب الإعلامي فقط، بل يمتد إلى عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، حيث يتم تحليل كل أشكال التفاعل مثل التعليقات أو الإعجابات أو حتى الرموز التعبيرية.
ووفق وافي، تتيح هذه البيانات، عند تحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المتقدمة، فهم ميول المستخدمين ومواقعهم الجغرافية وشبكات علاقاتهم.
استدراج أمني
ووفق مختصون في الأمن المعلوماتي، فإن الرسائل الخاصة التي ترسلها هذه الحسابات قد تتحول في بعض الحالات إلى مدخل لعمليات الاستدراج الأمني، حيث يتم التواصل مع بعض المستخدمين بشكل فردي.
ويؤكد أن المحادثة قد تبدأ بطلب بسيط أو استفسار عادي، لكنها قد تتطور لاحقا إلى محاولات ابتزاز أو إسقاط أمني، خاصة عبر إغراءات تتعلق بالحصول على تصاريح عمل أو تسهيلات في مجالات التجارة أو العلاج، وهي أساليب معروفة استخدمتها أجهزة الاحتلال في السابق.
ومن بين المخاطر الأخرى التي يحذر منها الخبراء ما يتعلق بالحرب النفسية ومحاولة التأثير على الوعي العام داخل المجتمع الفلسطيني، "فهذه الحسابات تسعى في كثير من الأحيان إلى تضخيم قوة الاحتلال العسكرية وإظهار المجتمع الفلسطيني في حالة ضعف أو انقسام، وهو ما قد يساهم في خلق حالة من الإحباط أو الهزيمة النفسية لدى بعض المتابعين".
ويشير المختصون إلى أن من أخطر مظاهر هذه الظاهرة ما يمكن تسميته بـ"التطبيع الرقمي"، حيث يصبح خطاب الاحتلال جزءا من المشهد اليومي على منصات التواصل، ما يؤدي تدريجيا إلى تآكل الحاجز النفسي لدى بعض المستخدمين تجاه هذا الخطاب.
وفي مواجهة هذه المخاطر، يؤكد الخبراء أن الخطوة الأولى تتمثل في رفع مستوى الوعي الرقمي لدى المستخدمين، عبر تجنب متابعة هذه الصفحات أو التفاعل معها بأي شكل من الأشكال، بما في ذلك التعليقات الغاضبة أو الشتائم، لأن الخوارزميات الرقمية تتعامل مع كل أنواع التفاعل على أنها مؤشرات على انتشار المحتوى.
من جانبه، قال مدير منتدى الإعلاميين الفلسطينيين محمد ياسين إن ما يسمى بصفحة "المنسق" أو الحسابات التابعة لإدارة الاحتلال، ليست منصات خدماتية كما تحاول تسويق نفسها، بل هي أدوات استخباراتية بامتياز تتدثر بعباءة "الإنسانية" الزائفة.
وأضاف ياسين لـ"الرسالة نت": "كل إعجاب أو تعليق أو حتى مشاهدة على هذه الحسابات لا يمر مرور الكرام، بل يشكل مدخلا لجمع البيانات وتحليلها، إلى جانب استخدام هذه الصفحات لضخ الرواية الصهيونية التي تهدف إلى التأثير على الوعي الفلسطيني وإحداث شرخ في الجبهة الداخلية".
وأكد أن هذه الحسابات تحاول تسويق الوهم للفلسطينيين من خلال تقديم نفسها كقنوات مساعدة أو خدمات، بينما الهدف الحقيقي منها هو الحصول على المعلومات واستغلالها في أغراض أمنية واستخباراتية.
وشدد ياسين على أن مقاطعة هذه الحسابات تمثل ضرورة أمنية وواجبا وطنيا، داعيا المواطنين إلى عدم منح الاحتلال فرصة للتسلل إلى حياتهم اليومية عبر الهواتف المحمولة، والاعتماد بدلا من ذلك على المصادر الإعلامية الوطنية والموثوقة في الحصول على المعلومات.
وتجدر الإشارة إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب جهودا مؤسسية، سواء من خلال المؤسسات الإعلامية أو الجهات الرسمية أو المؤسسات الأكاديمية، عبر تنظيم حملات توعية رقمية ونشر مواد إعلامية مبسطة مثل الإنفوجرافيك والفيديوهات التوعوية، إضافة إلى نشر قصص حقيقية حول مخاطر الاستدراج والابتزاز عبر الإنترنت.