مع اقتراب عيد الفطر، تتجه أنظار الأطفال في العادة إلى الأسواق بحثًا عن ملابس جديدة وأحذية لامعة وحلوى العيد، غير أن هذه الفرحة تبدو هذا العام أكثر صعوبة على العائلات في قطاع غزة، في ظل ارتفاع واضح في أسعار مستلزمات العيد مقارنة بالأعوام السابقة، ما جعل كثيرًا من الأسر تعيد حساباتها أو تكتفي بالحد الأدنى.
وبحسب جولة في الأسواق المحلية، فقد ارتفعت أسعار ملابس الأطفال بشكل ملحوظ، إذ تبدأ أسعارها هذا العام من نحو 150 شيكلًا، بعدما كان متوسطها قبل الحرب أو في المواسم السابقة يقارب 80 شيكلًا فقط، أي بزيادة تقارب الضعف.
ولا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة إلى الأحذية، التي كانت تُباع في المتوسط بنحو 40 شيكلًا، بينما يصل متوسط سعرها هذا الموسم إلى نحو 80 شيكلًا، ما يزيد العبء على العائلات التي تسعى لتأمين احتياجات أكثر من طفل.
كما طالت موجة الغلاء حلويات العيد، التي تُعد من أبرز مظاهر الاحتفال، إذ ارتفع متوسط تكلفة شرائها من نحو 50 شيكلًا في الأعوام السابقة إلى قرابة 100 شيكل حاليًا، نتيجة ارتفاع أسعار المكونات الأساسية وتراجع القدرة الشرائية.
مهمة صعبة
ويقول المواطن سعيد صالح إن تأمين مستلزمات العيد لأطفاله بات مهمة صعبة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، موضحًا أن شراء ملابس وحذاء لطفلين فقط قد يكلفه أكثر من ٤٠٠ شيكل، دون احتساب الحلويات أو أي مصاريف أخرى.
من جهتهم، يشير بعض التجار إلى أن ارتفاع الأسعار يعود إلى عدة عوامل، منها ارتفاع تكاليف البضائع وشح بعض السلع، إلى جانب تراجع حجم الاستيراد، ما انعكس على الأسعار في الأسواق المحلية.
ارتفاع ثلاثة أضعاف
وبدوره قال الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن تكاليف مستلزمات العيد في قطاع غزة ارتفعت بشكل كبير، لتصل في كثير من الأحيان إلى ثلاثة أضعاف سعرها الأصلي، نتيجة مجموعة من العوامل المرتبطة بالوضع الاقتصادي والقيود المفروضة على دخول البضائع إلى القطاع.
وأوضح أبو قمر (للرسالة) أن أحد أبرز أسباب هذا الارتفاع يتمثل في قلة الكميات التي تدخل إلى غزة مقارنة بحجم احتياجات السكان، مشيرًا إلى أن عدد الشاحنات التي يسمح بدخولها يوميًا يتراوح ما بين 150 إلى 200 شاحنة فقط، في حين أن احتياج القطاع الطبيعي يقدَّر بنحو ألف شاحنة يوميًا.
وأضاف أن ذلك يعني أن ما يدخل فعليًا لا يتجاوز خُمس الكميات المطلوبة في أفضل الأحوال، الأمر الذي يؤدي إلى نقص في السلع وارتفاع أسعارها بشكل ملحوظ.
وأشار أبو قمر إلى عامل آخر يساهم في رفع الأسعار، وهو تكاليف التنسيقات المفروضة على الشاحنات، والتي تتراوح بين 200 ألف و500 ألف شيكل للشاحنة الواحدة، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق.
وبيّن أن الارتفاعات طالت معظم مستلزمات العيد، بما في ذلك الملابس والأحذية وحلوى العيد، وهي من الأساسيات التي يحرص المواطنون عادة على شرائها خلال هذه المناسبة.
وفي المقابل، شدد أبو قمر على أن هذه التكاليف المرتفعة تتعارض بشكل واضح مع مستوى الدخل المتراجع للسكان في قطاع غزة، موضحًا أن تقارير أممية تشير إلى أن متوسط الدخل السنوي للفرد لا يتجاوز 161 دولارًا.
وأضاف:"إذا نظرنا فقط إلى احتياجات موسم العيد، فإن هذا الدخل لا يكفي لتغطية متطلبات الشخص الواحد من ملابس أو حلوى أو ألعاب للأطفال، ما يعني أن كثيرًا من الأسر غير قادرة عمليًا على توفير مستلزمات العيد".
ويرى أبو قمر أن ما يحدث في القطاع يعكس حالة من "هندسة المجاعة"، على حد وصفه، حيث تبدو بعض السلع متوفرة في الأسواق شكليًا، لكنها تباع بأسعار مرتفعة للغاية لا يستطيع غالبية السكان تحملها.
وأوضح أن نسبة من يتمكنون من شراء هذه السلع لا تتجاوز 3 إلى 5 في المئة من السكان، رغم وجودها في الأسواق، سواء كانت ملابس أو حلويات.
وفي المقابل، أشار إلى وجود جانب إيجابي محدود يتمثل في المساعدات الإنسانية التي تقدمها بعض الجهات، خصوصًا تلك المتعلقة بـ كسوة العيد للأطفال أو للأسر المحتاجة.
وأكد أهمية تعزيز هذه المبادرات خلال الأيام المتبقية من شهر رمضان، بحيث تشمل كسوة العيد أو حتى حلوى العيد ضمن المساعدات المقدمة للأسر الفقيرة.
وشدد أبو قمر على ضرورة أن يتم ذلك وفق معايير واضحة تمنع استغلال هذه المساعدات تجاريًا، لافتًا إلى أن بعض الجهات قد تطرح أنواعًا رديئة من الملابس بأسعار مرتفعة تحت عنوان "كسوة العيد"، وهو ما يتطلب رقابة أكبر لضمان وصول المساعدات بشكل عادل ومناسب للأسر المحتاجة
ورغم هذه الظروف، تحاول كثير من العائلات الحفاظ على ما تبقى من طقوس العيد، ولو بشكل بسيط، حتى لا يُحرم الأطفال من فرحة ينتظرونها طوال العام.
لكن في غزة، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، يبدو أن تكلفة العيد لم تعد مجرد مصروف موسمي، بل عبئًا إضافيًا يثقل كاهل العائلات التي تحاول بصعوبة أن تصنع لأطفالها لحظة فرح وسط واقع قاسٍ.