بينما ينعم أطفال العالم بالدفء والحنان في أحضان ذويهم، فإن آلاف الأطفال في غزة لا يجدون ذاك الدفء المنشود بين جدران منازلهم المتهالكة، بعد قصفها من الاحتلال "الإسرائيلي"، ولم تشفع نعومة أظفار الصغار لهم من الارتعاش بردًا فانتهت حياة ثلاثة بعد أن سلبها منهم دمار الاحتلال ومنع الإعمار وبرد الشتاء القاتل.
جدران المنزل بالية كما الأوراق، والسقف يعزف سيمفونية الألم مع كل قطرة مياه تنزل منه لترتطم بأوانٍ من المفترض أن تكون للطبخ لا للطوارئ!، هو حال عائلة أبو عاصي وكثيرين مثلهم في غزة المكلومة.
"بنتي كانت بالغرفة نائمة ما أحلاها، وفجأة ازرَقّت وما قدرت تتنفس"، كانت تلك هي اللحظات الأخيرة لحياة الطفلة رهف أبو عاصي "4 شهور" بجوار والدتها في منطقة الزنة شرقي خانيونس جنوب قطاع غزة.
"بنتي ماتت من البرد، ماتت وراحت مني"، دموع الأم انهمرت وسط حالة حزن كبيرة عمّت أرجاء المنزل المُعتم، فلا إعمار ولا كهرباء ولا جدران صالحة لحمايتهم من البرد.
البرد القارس ومياه الأمطار الغزيرة تسللت لمنزل عائلة أبو عاصي من فتحات سقفه المدمر بفعل قذيفة مدفعية اخترقته أثناء الحرب الأخيرة على غزة، ولم تستطع الرضيعة تحمّل قسوة الأجواء، لكّن قسوة قلوب مانعي الإعمار كانت أكبر أثرًا.
وفي منتصف الليل ومع شدة البرد أصيبت "رهف" بضيق في التنفس وتغير لون جسدها للأزرق، فانتفضت الأم تحمل صغيرتها لتسارع والعائلة بنقلها لمستشفى الأوروبي بخانيونس، لتدخل العناية المكثف، وبعد سويعات قليلة اتصلت الأم لتبلغهم "رهف ماتت".
"رهف" توفت جراء إصابتها بالبرد الشديد في منزل عائلتها المدمر جزئيًا، وبحسب المصادر الطبية فإن سبب الوفاة جاء نتيجة انسداد الشعب الهوائية لديها بفعل البرد الشديد.
من يتحمل المسئولية؟
الأب المكلوم لم يستفق من صدمة وفاة حبيبته الرضيعة "رهف"، ما اضطرنا للحديث مع عمها زياد أبو عاصي، والذي قال لـ
إن البيت الاحتلال دمر أجزاء منه في الحرب، ويعانون من شدة البرد والصقيع الذي أفقدهم الدفء.
وبحسب العم أبو عاصي، فإن بيت العائلة تعرض للقصف بقذيفة مدفعية وصاروخ حربي دمر أجزاء منه، ولتعطل عجلة الإعمار وعدم تعويض العائلة بأي شيء فإن سُكناهم بالبيت أو الشارع أصبح واحدًا.
أطفال عائلة أبو عاصي يبيتون لياليهم القارسة على ألواح خشبية تكسوها فرشات رقيقة جدًا لا تحميهم من المياه التي تنهمر بغزارة عبر تشققات المنزل المتهالك.
وبالعودة للأم تساءلت عن رأفة الجهات المعنية كافة بحالة الشعب الفلسطيني في غزة؟، محملة خطيّة رضيعتها للمسئولين والمشاركين في حصار غزة، مطالبة بوقف مأساتهم.
ألاف العائلات في المناطق المدمرة تعاني الويلات صيفًا وشتاءًا، بسبب تأخر الإعمار، وتقاعس الجهات المعنية في انقاذ العائلات التي دُمرت منازلها ويعاني أطفالها من البرد والأمراض التي تعصف بهم.
العم أبو عاصي حمّل وكالة الغوث "الأونروا" مسئولية وفاة الطفلة، لعدم مساعدتها للعائلة منذ انتهاء الحرب فيما لم تعوّضهم بأيّ شيء يحفظ حياة أطفالهم ويؤمن لهم المأوى الآمن، ويؤكّد عزمهم التوجه للقضاء لمحاسبة المقصرين بحقهم.
"حسبنا الله ونعم الوكيل في كل المسئولين عن معاناتنا"، صدح العم بتلك الكلمات وتساءل ماذا لو عاش المترفين من المسئولين عن معاناتهم يومًا واحدًا في تلك البيوت الآيلة للسقوط؟!.
وبسبب الأحوال الجوية الصعبة وعدم إعمار آلاف المنازل بغزة فإن طفلين وافتهم المنية السبت، بسبب البرد القارس الذي لامس قلوب الأطفال، وهما عادل ماهر اللحام "شهر واحد" بخانيونس، والرضيعة سلمى زيدان المصري "شهرين" في أحد الكرفانات ببيت حانون شمال القطاع.