برزت في (إسرائيل) ظاهرة قلما تحدث في أي نظام سياسي آخر؛ حث بادر أتباع التيار الديني الصهيوني في العقد الأخير لاختراق الأحزاب العلمانية، وتحديداً حزب "الليكود" الحاكم، الذي يعد أكبر الأحزاب العلمانية؛ والذي تتوقع استطلاعات الرأي العام أن يواصل حكم (إسرائيل) لفترة طويلة في ظل انهيار اليسار وتراجع الوسط بشكل كبير.
وتدل كل المؤشرات على أن اختراق المتدينين للأحزاب العلمانية عملية مدروسة وتهدف بشكل أساس إلى تمكينهم من التأثير على عملية صنع القرار السياسي في (إسرائيل) بشكل يفوق بكثير ثقلهم الديموغرافي، وهو ما يقر به المتدينون أنفسهم.
ولعل المثال الأبرز على ذلك هو تشكيل نائب رئيس الكنيست موشيه فايغلين، أحد قادة المتدينين القوميين الشباب معسكرا داخل حزب "الليكود" أطلق عليه "القيادة اليهودية".
واستغل فايغلين التركيبة المؤسساتية لحزب الليكود التي تشترط انتخاب زعيم الحزب ومرشحه لرئاسة الوزراء وفرز قائمة مرشحيه في الانتخابات بإجراء انتخابات تمهيدية داخلية؛ وأقنع المستوطنين المتدينين بالانتساب للحزب بكثافة لكي يتمكنوا من تحديد هوية رئيس الحزب ومرشحيه للانتخابات التشريعية.
ولأن الحديث يدور عن معسكر أيديولوجي مبلور؛ فقد أسهم هذا التحرك في تحسين قدرة التيار الديني الصهيوني على ابتزاز ساسة الحزب الذين يتنافسون على مواقع مضمونة في قائمة مرشحي الحزب للكنيست ومعظمهم من العلمانيين، بحيث أن أعضاء "القيادة اليهودية" يصوتون بشكل موحد لكل قيادي في الليكود يلتزم بالدفاع عن المشروع الاستيطاني ويؤكد أنه سيصوت في مؤسسات الحزب وفي الكنيست وفي الحكومة (في حال أصبح وزيراً) ضد أي مشروع قرار بالانسحاب من أي شبر من الضفة الغربية.
وفي نفس الوقت يلتزم ساسة الليكود العلمانيون أمام أعضاء "القيادة اليهودية" بتقديم مشاريع قوانين لدعم المستوطنات في الضفة الغربية ومشاريع التهويد في القدس المحتلة، ومنع الحكومة من إبداء أي قدر من المرونة تجاه قضايا التسوية؛ إلى جانب التزامهم بتأييد سياسة القبضة الحديدية في مواجهة الفلسطينيين.
اختراق المتدينين للأحزاب العلمانية عملية مدروسة وتهدف بشكل أساس إلى تمكينهم من التأثير على عملية صنع القرار السياسي في (إسرائيل) بشكل يفوق بكثير ثقلهم الديموغرافي
وكان لـ"القيادة اليهودية" دور أساسي في سيطرة جناح "الصقور" على حزب الليكود، حيث لا يتردد نواب الحزب في خرق الانضباط التنظيمي والتصويت ضد حكومة حزبهم في كل ما يتعلق بالتعاطي مع مشاريع التسوية.
لقد سعي التيار الديني الصهيوني ممثلا في "القيادة اليهودية" لاختراق حزب الليكود العلماني بهدف التأثير على التوجهات السياسية للحزب.
واللافت أن فايغلين يجاهر بالحديث عن دوافع اختراق المتدينين حزب الليكود، ويعتبر أنه يتوجب استغلال كل ما تسمح به الديموقراطية الإسرائيلية لتعزيز مكانة التيار الديني الصهيوني وتطبيق أجندته.
ويشرح فايغلين الأسباب التي دفعته للانتقال من العمل في إطار الحركات الدينية إلى فضاء الأحزاب العلمانية الكبيرة، ولا سيما الليكود، بالقول أن النشطاء السياسيين المتدينين قد ارتكبوا منذ الإعلان عن الدولة خطيئة كبرى عندما حصروا نشاطهم ضمن الأحزاب الدينية التي عادة ما حرصت على تمثيل قطاعات بعينها في الجمهور اليهودي في الدولة العبرية.
وهذا كرس مكانة هذه الأحزاب ونشطائها خارج ما يعرف بـ"الإجماع الصهيوني العام"، الذي تشكله القواسم المشتركة لكل من حزب الليكود باعتباره حزبا علمانيا يمثل يمين الوسط، وحزب العمل، باعتباره حزبا علمانيا يمثل يسار الوسط.
ويرى فايغلين أن غياب النشطاء السياسيين المتدينين عن ساحة العمل داخل الأحزاب العلمانية الكبيرة، هو الذي مكن الساسة العلمانيين من تحديد معالم "الاجماع الصهيوني"، بدون أي صلة بتوراة "شعب (إسرائيل)".
ويعتبر فايغلين أن قبول قطاعات من اليهود داخل الدولة العبرية، ومن ضمن أولئك قطاع مهم من العلمانيين من اصحاب التوجهات اليمينية فكرة التنازل عن أجزاء من الأراضي العربية المحتلة مقابل تسوية سياسية مع العرب؛ هو نتاج طبيعي لعدم احتكام الطبقة السياسية الحاكمة في الدولة إلى منظومة القيم التي تمليها "التوراة"، على العاملين في مجال السياسة.
ويؤكد فايغلين أن هذا ما دفعه للانضمام الى حزب الليكود كمنتسب عادي في أواخر العام 1999.
ويرى فايغلين أن أتباع التيارات الدينية في الدولة العبرية لم يعرفوا كيف يستغلون الديموقراطية الإسرائيلية بالشكل الذي يحقق أكبر قدر من التأثير على مجريات الأمور وذلك عن طريق إغراق الاحزاب العلمانية، وبالذات الليكود، بالمنتسبين المتدينين.
إن حماس فايغلين للسيطرة على الليكود يأتي لغياب الحماس لدى الأجنحة العلمانية، وتقاعسها عن التحرك للتأثير على مجريات الأمور في الدولة، وهي ظاهرة يلمسها كل من يحاول تفحص طبيعة الحراك في المشهد الإسرائيلي.