التحولات على مكانة الفتوى الدينية في (إسرائيل)

مستوطنون داخل الاراضي المحتلة (الأرشيف)
مستوطنون داخل الاراضي المحتلة (الأرشيف)

د. صالح النعامي

رغم ادعاء (إسرائيل) الفصل بين الدين والدولة، أصبح تعاظم مكانة الفتوى الدينية أحد أبرز التحولات التي أسهمت في تعزيز تأثير التيار الديني الصهيوني على دائرة صنع القرار السياسي والحراك المجتمع في (إسرائيل).

إن المشرع الإسرائيلي لا يمنح من ناحية نظرية الفتاوى الدينية التي تصدر عن مرجعيات الإفتاء الديني مكانة قانونية، إلا أن كل الشواهد تدلل على أن الفتوى الدينية باتت تلعب دوراً أساسياً في عملية صنع القرار السياسي والحراك المجتمعي منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي، سواءً بشكل مباشر، أو غير مباشر.

ومما زاد من تأثير الفتوى الدينية حقيقة أن الحاخامات الذين يتصدون للفتوى يجمعون بين مكانتهم الدينية كمرجعيات للفتوى ومكانتهم السياسية كمرجعيات لها الكلمة في الفصل في تحديد خيارات الأحزاب والحركات الدينية.

فمنذ الإعلان عن (إسرائيل) عام 1948 اقتصر تأثير الفتوى الدينية على قضايا الأحوال الشخصية فقط، حيث فوض القانون المحاكم الدينية حسم الخلافات المتعلقة بالقضايا الشخصية، مثل: الزواج والطلاق والإرث وغيرها وإصدار أحكام في ضوء الفتاوى التي أصدرتها مرجعيات الإفتاء الديني اليهودي في الأزمان الغابرة التي تضمنتها كتب التفسير والفقه، أو الآراء الفقهية التجديدية التي نسبت لمرجعيات معاصرة.

ولعل من أبرز مرجعيات الإفتاء اليهودية التي يتم الاحتكام لفتاويها: الرمبام والرمبان، وهما حاخامان عاشا في مصر وفلسطين في القرن الثاني عشر والثالث عشر، كما يتم الاحتكام للفتاوى التي أصدرها كبار الحاخامات أثناء تواجد اليهود في أوروبا الشرقية منذ القرن الثامن عشر وحتى الإعلان عن (إسرائيل).

ويحتكم قضاة المحاكم الدينية للفتاوى التي أصدرها الحاخامات المعاصرون الذين تصدوا للقضايا المعاصرة التي لم يعثر بشأنها على فتاوى من الحاخامات في الأزمان الغابرة. وقد تأثرت الفتاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية بشكل واضح بالإرث الذي تركته مرجعيات الإفتاء من التيار الحريدي الشرقي بشكل خاص، على اعتبار أن هؤلاء الحاخامات اهتموا أكثر من غيرهم من الحاخامات بمسألة إعادة التأصيل الفقهي لكثير من الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية.

ويعرف عن هؤلاء الحاخامات أنهم يأخذون بعين الاعتبار ظروف الزمان والمكان والعوامل الموضوعية الأخرى لدى إصدارهم الفتاوي، أو عندما يحددون مواقفهم من فتاوى لمرجعيات إفتاء غير معاصرة؛ في حين أن حاخامات الحريدية الغربية يميلون للجمود الفقهي.

ومنذ الإعلان عن (إسرائيل) وحتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي تولت مؤسسة الحاخامية الكبرى، المسؤولة عن المحاكم الدينية، إعداد قضاة هذه المحاكم عبر مرورهم بمسارات تعليمية تعتمد بشكل أساسي على دراسة إرث الفتاوى الدينية.

ومما لا شك فيه أن الانقلاب السياسي الذي حدث في (إسرائيل) عام 1977، وصعود اليمين لأول مرة لسدة الحكم، ودخول الأحزاب الدينية سواءً التي تمثل الحريدية أو التي تمثل المتدينين القوميين، قد منح مكانة كبيرة للفتوى الدينية. فقد أصرت الأحزاب الدينية على ألا تتضمن الاتفاقات الائتلافية، التي على أساسها يتم تشكيل الحكومات، بنوداً تتناقض مع الفتاوى التي أصدرتها مرجعيات الإفتاء الديني.

وعلى سبيل المثال ظلت شركة الطيران الإسرائيلية الحكومية "إل عال" تعمل أيام السبت بناءً على تفاهم تم التوصل إليه بين المرجعيات الدينية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة؛ حيث إن المستويات السياسية تمكنت من اقناع المرجعيات الدينية أن السماح لهذه الشركة بالعمل أيام السبت يضمن تواصل تدفق المهاجرين اليهود مما يحقق فريضة دينية أكثر أهمية من الالتزام بحرمة السبت، وهي عمارة أرض (إسرائيل).

وقد ظلت الأمور على حالها حتى العام 1999 عندما أصدرت مرجعيات دينية فتوى تحظر بموجبها على أية شركة حكومية العمل أيام السبت، وضمن ذلك شركة " إل عال ".

ورغم أن الحكومة التي تشكلت عام 1999 قادها إيهود براك زعيم حزب العمل اليساري، وشاركت فيها حركة "ميريتس" التي تمثل العلمانيين في (إسرائيل)؛ إلا أن الأحزاب الدينية التي شاركت في الحكومة أصرت على تضمين الاتفاق الائتلافي، الذي على أساسه تشكلت حكومة براك، بنداً تلتزم الحكومة العتيدة بموجبه بعدم السماح بتشغيل شركة "إل عال" أيام السبت وفي الأعياد اليهودية.

وقد أصرت الأحزاب الدينية على إدخال تعديلات على قوانين أساسية هامة جداً، مثل: قانون "العودة"؛ الذي ينظم هجرة اليهود لـ(إسرائيل)؛ والذي يعطي الحق لكل يهودي في الهجرة لأرض فلسطين ومنحه كل حقوق المواطنة بشرط أن يكون ولد لأم يهودية أو تهود وفق الشريعة اليهودية، دون تقديم تفاصيل حول الشروط التي تضعها الشريعة اليهودية لقبول غير اليهود في اليهودية.

وقد تمت صياغة هذا القانون مطلع الخمسينات من القرن الماضي بالتفاهم بين النخب العلمانية الحاكمة والمرجعيات الدينية، إلا أن مرجعيات الإفتاء الدينية الحريدية أصدرت في مطلع الثمانينيات فتوى تحدد شروطاً جديدة يتوجب على كل من يرغب في التحول لليهودية الوفاء بها.

ووفق منطق المرجعيات الدينية الحريدية يتوجب على كل من يرغب في التحول لليهودية حفظ الكثير من النصوص الدينية؛ مع العلم أن معظم الذين يتحولون لليهودية هم في الأساس علمانيون ويحافظون على نمط حياة علماني بعد تهودهم.

وقد نجحت الأحزاب الدينية مجتمعة في إجبار حكومة إسحاق شامير عام 1989 على إدخال تعديل على مشروع القانون بهذا الخصوص، على الرغم من معارضة قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي.

إن من أهم العوامل التي جعلت الحكومات المتعاقبة تتشدد في مراعاة الفتاوى في كثير من الأحيان حقيقة أن جميع ممثلي الأحزاب والحركات الدينية الحريدية في الحكومة والكنيست هم من الحاخامات؛ حيث ينظر هؤلاء إلى أنفسهم بشكل أساسي كأشخاص يحملون رسالة دينية واضحة وجلية.

البث المباشر