قائمة الموقع

الحية: ما سعيت يومًا لمنصب وكلّما كُلّفت بأمر أرفضه

2015-08-27T13:55:00+03:00
القيادي في حماس الدكتور خليل الحية خلال إجراء الحوار
الرسالة نت - محمد أبو زايدة

(الحلقة الثانية)

على ذات الجلسة التي امتدت لما يزيد عن ثلاث ساعات، استكملنا مهمّة النبش في ذاكرة "خليفة الرنتيسي"، و"روح الجعبري"، وتوالت أسئلتنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، لتتكشف بإجاباته معالم رجلٍ يذرف الدموع على رحيل من سبقوه شوقًا وحبًا.

استكملنا رحلتنا في دهاليز حياة القيادي في حماس الدكتور خليل الحية، وتجولنا بمراحل مختلفة، وكان أهمّها تعليمه الجامعي، ودخوله المجلس التشريعي، ورفضه العديد من المهمات الموكلة إليه، واستشهاد أفراد عائلته، والحرب وكواليسها، والمفاوضات مع الاحتلال، وأعوام الحزن في حياته، والحب في عائلته"، فندعوكم لربط الأحزمة، والتمتع بقراءة سيرة رجلٍ لم يعتد الإعلام إظهار إنسانيته بقدر ما يظهر "نارية" تصريحاته.

بعدما أنهى الحية رسالة الدكتوراه في السودان، عاد لإكمال حياته الجامعية في ربوع الجامعة الإسلامية بغزة، والتي امتد عمله فيها كمحاضرٍ لثماني سنوات متواصلة.

"تخلل وجودي في الجامعة انتخابات نقابة العاملين، وأصبحت في حينها نقيبًا لعامٍ كامل، ثم كلفت بتولي مهام عمادة شؤون الطلبة بالإنابة، ثم عميدًا" يقول الحية.

ويتابع: "كلّما كلفت أمرًا أرفضه وأتمنى ألا يسند لي، لكن بعد أن ألزم به أستعين بالله، فأجد العون الرباني، وأقدم في نهاية المطاف انموذجًا طيبًا".

قرارٌ من قيادة "حماس" عُمم على جميع أفرادها، ينص على "من يتعيّن في قيادة الحركة، يجب أن يتخلّى عن جميع المناصب القيادية الأخرى، خاصة في الجامعة الإسلامية"، فقدّم الحيّة والقيادي في حماس إسماعيل أبو شنب، استقالتهما من الجامعة بداية انتفاضة الأقصى (2002)، وتوجها إلى قيادة الحركة.

 انتخابات التشريعي

"بعد خروج الشيخ أحمد ياسين من السجن عام 1997 اثر عملية تبادل بين الأردن والاحتلال، استعدنا لملمة أوراق التنظيم، حتى التأم في انتفاضة الأقصى". يقول الحية.

كان قرار قيادة الحركة في البداية استثناء (إسماعيل هنية، وسعيد صيام، وخليل الحية) من الترشح في الانتخابات التشريعية

وبعد سنواتٍ من مجابهة حماس للاحتلال الإسرائيلي" توفّر المناخ المناسب لدخولها الانتخابات التشريعية، وكان قرار قيادة الحركة بأن يتم استثناء "إسماعيل هنية، وسعيد صيام، وخليل الحية" من الترشح للانتخابات.

"رجوت الأخوة بعدم ترشيحي في الانتخابات، واستعدادي لقيادة الحملة الانتخابية لكنّهم ألزموني" يقول الحية، مشيرًا إلى أنّ حماس عدلت في اللحظات الأخيرة عن الأمر، وقررت دخول الانتخابات بكامل قوتها بعدما اشتدت حدة التنافس.

وبدأ التحضير للانتخابات من قيادات الحركة، ووضعت شروط لكل مرشحٍ تحت قائمتها، أبرزها "الشهادة العلمية، والحضور السياسي والاجتماعي، والبعد الجماهيري، والحالة النضالية"، وحرصت قيادة حماس على اختيار نوابها من جميع التخصصات العلمية.

وبعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية بواقع (76 مقعدا من أصل 132)، ترأس الحية كتلة التغيير والإصلاح خلفًا للقيادي بحماس الدكتور محمود الزهار، وذلك بعد اجماعٍ من الضفة وغزة على توليه المنصب، وتكليفه مجددًا بالمهام.

يقول في ذلك: "قصّرت في ترأسي للكتلة بسبب انشغالي في الحوارات مع الفصائل منذ تكليفي وكنت أشعر بثقل هذا الحمل"، ويوضح أنّ الشهيد سعيد صيام خلفه في رئاسة الكتلة.

واستمرت قيادة الحية لجلسات الحوار الوطني، لا سيما بعد الإشكاليات التي كانت قائمة مع السلطة وحركة فتح، وطلب الوفد المصري في مايو عام 2007 الدكتور خليل ليتفاوض مع السلطة وحركة فتح على أراضيها ضمن جلسات المصالحة.

اعترضت قيادة الحركة على طلب المصريين خشية أن يكون هذا بمثابة "كمين"، إلّا أنّه أجابهم: "إذا كان ذهابي يحقن دماء شعبنا ولو على حساب روحي، فلن أتردد لبرهة من الزمن".

 محاولة اغتيال

وبعد نجاح جلسة الحوار، عاد الحية إلى منزل القيادي بحماس إسماعيل هنية، وكانت قيادة الحركة مجتمعة، فوضعهم في صورة تطورات الحوار، إلّا أنّ خبرًا وصله يفيد بقصف طائرات الاحتلال لبيته، إلا أنه أصر على اكمال حواره مع القيادة.

وبعد لحظاتٍ وصله خبرٌ آخر يؤكد قصف الاحتلال لديوان عائلته، فصمت عن الحديث، ثم ردد "لا حول ولا قوة إلا بالله"، يسرد لـ"الرسالة" تفاصيل الفاجعة بقوله: "ازداد الأمر على نفسي صعوبة، فاستأذنت الحضور بأن أتحدث قبلهم فيما يتعلق بموضوع المفاوضات مع الجانب المصري بخصوص فك الاشتباكات مع حركة فتح، ثم صليت العشاء وذهبت إلى مجمع الشفاء لتفقد المصابين، ووداع الشهداء".

وتكشفت خيوط الجريمة الإسرائيلية فيما بعد، إذ اعتقد الاحتلال أنّ الدكتور خليل وصل إلى بيته، مشبّها عليه بابن عمه، لا سيما أنّه يركب ذات السيارة، فقصف المكان وأوقع عشرة شهداء وعشرات الإصابات.

ما ودعت شهيدًا إلّا هنأته بالشهادة وعاهدته على مواصلة المشوار

"ما ودعت شهيدًا إلّا هنأته بالشهادة وعاهدته على مواصلة المشوار"، بهذه الكلمات تحدث الدكتور خليل، محاولا مداراة دموعه إلا أنه لم يستطع اخفاءها أثناء استحضاره للحظات وداع الشهداء، وتابع بصوت مرتجف يشي بالحزن المكتوم في قلبه: "أكثر موقف شعرت فيه بالحزن أثناء وداعي لرئيس أركان حماس أحمد الجعبري".

لحظاتٌ كانت الدموع سيدة المشهد في وداع الحية لرفيقه الجعبري، لا سيما أنّه أقرب البشر مكانة إلى قلبه، ويمثل له "رفيق الروح"، وبعد تقبيل جبينه وهو في ثلاجة الموتى، هنّأه بالشهادة، وقرأ عليه السلام، يقول: "هذه اللحظة من أكثر المشاهد تأثيرًا في حياتي، إلّا أنّها تعطي الانسان عزيمة على مواصلة الطريق".

 زواجه وأبناؤه الشهداء

وفي محاولة لتغيير دفة الحوار قليلًا، سألناه عن حياته الزوجية، وكيفية العيش كـ"قائد، وزوج، وأب، وجد"، في آنٍ واحد.

"تزوجت بعد تخرجي من الجامعة الإسلامية بابنة جيراننا أمل، لأنّي وجدت فيها صفات المرأة المسلمة الملتزمة، وغمرت السعادة علاقتنا، ولا يضير إن أخطأ أحدنا أن يعتذر للآخر، ولم نبت ليلة واحدة متخاصمين، ولم أتعامل يومًا في بيتي على أنني قائد أو أستاذ".

ويضيف: "وأما عن علاقتي مع أبنائي، فقد بنيت وفق قاعدة -كامل الحب مع كامل الخوف-، وبالنسبة لأحفادي فلا يضيرني أن أكون فرسًا لهم، يركبون على ظهري وألاعبهم، وأبحث عن ألعابهم بالساعات في حال عدم وجود آبائهم".

وكأنّ الحديث يتمثل أمامنا بمشاهد من الواقع، فقد عاد ابن الدكتور عز الدين من دوامه في الشرطة الفلسطينية، ورد التحية وانحنى مقبلًا يد وجبين والده، لينال دعوات الرضا التي اعتاد عليها، ليكمل بعدها: "حتى وقتٍ قريب كنت أنا بنفسي أنزل وأشتري الملابس لجميع أفراد المنزل، حتى لزوجات أبنائي، وكنت أرسم ابتسامة على مُحياهم، وأخفف عنهم".

يوم استشهاد حمزة شعرت بالعز لأنني تساويت مع إخوتي الذين قدموا أبناءهم شهداء

ويتابع: "كان لي من الأبناء خمسة ومن البنات اثنتين، فقد استشهد حمزة في 2008، واستشهد أسامة وأغلب عائلته في 2014".

صمتٌ خيّم على المكان، حتى كسرته بطلبي من الدكتور أن يحدثنا عن أبنائه الشهداء، فأخبرنا عن ابنه حمزة، مشيرًا إلى أبرز مناقبه المتمثلة في "عزوفه عن الدنيا، وجرأته في قول الحق، والشجاعة في أشد مواقف المواجهة مع الاحتلال، وتوقه للعمل".

"حدثنا عن أكثر موقفٍ ما زال عالقًا في ذهنك يخص حمزة"، سألنا الدكتور خليل، فتبسم وأغمض عينيه قليلًا ثم أبصر وأجاب: "لم يحضر يوم زفاف أخته، فعاتبته وسألته عن السبب، فأجابني أنّه كان يقود مجموعة جهادية تطلق الصواريخ على مستوطنات ناحل عوز، وأنه لا يصح حضوره زفاف شقيقته وترك زملائه في مجابهة العدو".

واستشهد حمزة صبيحة الخميس في الثامن والعشرين من شباط، لعام 2008، أثناء قصف طائرات الاحتلال له وهو يطلق صواريخًا على المغتصبات "الإسرائيلية"، ويعقب على ذلك والده بالقول: "يوم استشهاده شعرت بالعز لأنني تساويت مع أخوتي الذين قدموا أبناءهم شهداء".

ومن حمزة إلى أسامة، الذي خلّف حملًا ثقيلًا على كاهل والده بعد استشهاده، يقول الدكتور خليل: "ما شعرت بضغط الحياة والأثر النفسي الا بعد استشهاد نجلي أسامة".

ما شعرت بضغط الحياة والأثر النفسي إلا بعد استشهاد نجلي أسامة

عن لحظات استشهاده يروى الحية: "هاتفته قبل استشهاده بخمس دقائق عبر الاتصال الآمن في أحد أيام العدوان الأخير على غزة، واطمأننت عليه، وبعدما صلينا الفجر وقرأنا المأثورات، ذهبنا إلى النوم، فسمعت صوت همسٍ من المرافقين، فسألتهم إلّا أنّهم أخفوا الخبر خشية صدمتي، فسارعت إلى التلفاز وما هي إلا لحظات حتى ظهر الخبر العاجل الذي يفيد بـ"استهداف منزل الدكتور خليل الحية".

شريطٌ اخباري باللون الأحمر ملأ شاشة التلفاز، ثم تلاه آخر يفيد باستشهاد زوجة الدكتور خليل الحية، يتابع الدكتور خليل الرواية: "فور تلقي الخبر وضعت يدي على قلبي وقلت لها هنيئًا لكِ الشهادة يا أم أسامة، وظهر شريطٌ آخر ينفي الخبر السابق، وتوالت مشاهد القصف على الشاشة ومجرياته، وبدأت أشاهد جثثًا على الأرض".

يتابع: "وصلتني الصدمة الثانية بعد بث الفضائيات لصورة أسامة مسجّى على الأرض، واعلانهم نبأ استشهاده، فلهجت بالدعاء وأنا أستمع إلى حصيلة الشهداء من عائلتي، فقرأ المذيع استشهاد هالة صقر أبو هين زوجة أسامة، وأطفاله الثلاثة، خليل وأمامة وحمزة، وأصيبت زوجتي بجروح بالغة، وجميع من في البيت، حرمت من وداعهم بسبب الأوضاع الأمنية"

القِبلة، هي أقرب الأماكن التي لجأ إليها الدكتور خليل آنذاك، حيث صلّى صلاة الغائب على روح الشهداء، ولهج لسانه بالدعاء، وعيونه بالبكاء على فراقِ عائلته.

 المفاوضات

أيامٌ معدودة مرت على استشهاد أفراد عائلته، حتى وصله تكليفٌ جديد بتمثيل حماس في جولاتِ المفاوضات مع الاحتلال برعاية مصرية، "لأنّه الأجدر بالخروج وتمثيل الشعب الفلسطيني بتضحياته وصموده". وفق رسالة القيادة له.

"اصطحبنا وضوح الرؤية في المفاوضات، والمرونة حيث تلزم، كما الشدة والمواقف الصعبة اذا احتاج الامر"، يقول الحية، موضحًا أنّه -وبرفقة زياد الظاظا القيادي في حماس- حاولا نقل الروح الموجودة في الشعب المكلوم، وأنّهم ما زالوا صامدين.

وأمّا عن تشكيلة الوفد " ان رغبة من مصر في إعادة أبو مازن وفريقه للواجهة، وحتى لا تقطف حماس ثمار الانتصار، فشكلوا وفدًا بقيادة عزام الأحمد"، ويتابع الحية ممتعضًا، "ورغم ذلك كنا نفاوض ثلاث جهات، أولاهما الوفد الفلسطيني المتمثل بالسلطة، وثانيهما الوسيط المصري، وثالثهما الجانب الإسرائيلي".

عزام الأحمد قال لنا كيف تهاجمون (إسرائيل) في أنفاق حفرتموها داخل أرضها

 ولم يكن في المفاوضات رؤية مجمع عليها من جانب الوفد الفلسطيني، إذ نقل لنا الدكتور الحية موقفًا من عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لفتح، يقول: "جاءنا الأحمد يفاوضنا عن الموافقة على وقف الأنفاق، وفي لحظة قال لنا كيف تهاجمون (إسرائيل) في أنفاقٍ حفرتموها داخل أرضه... فكيف بسياسي فلسطيني يعطي اعترافًا بملكية الاحتلال للأرض، ويبرر قتله للفلسطينيين دون ردود فعل".

وقبل مغادرة "الرسالة" بيت الدكتور خليل الحية، طلبنا منه نصيحة للجيل الذي يعقبه، فقال: "أتمنى من قيادتنا وشبابنا الانتماء لثقافة الأمة وحضارتها والقضية وعروبتها، والإخلاص لها بكل ما تعني الكلمة من معنى، وألا تكون للحياة في قلوبنا مطمع".

لمتابعة الحلقة الأولى (إضغط هنا)

اخبار ذات صلة
مَا زلتِ لِي عِشْقاً
2017-01-16T14:45:10+02:00