قراءة في رواية: رواية البوكر " الماس ونساء"

للكاتب: محمد الغربي عمران

احترت في بداية الأمر من أي باب الج منه للكتابة عن هذا العمل المغاير..؟ الذي أشعرني بأن الكاتبة مولعة بالبحث الدقيق قبل صياغة فكرة روائية رست في دماغها. فلم أقرأ لها أي عمل قبل هذا .

وأعترف بأن شعور داهمني أثناء القراءة .. أن ما بين يدي رواية كتبت بأسلوب مختلف عما الفته .. فكثيرا ما يبتكر الكتاب تواريخ ومسميات بهدف إقناع القارئ بأن ذلك شيء من الحقائق وأن تلك الوقائع قد حثت بالفعل.. بينا الكاتبة هنا تقدم لنا ألا معقول في ماحدث.. مستندة إلى أسماء وأحداث وقعت بالفعل .. وإلى عناوين وتواريخ جد حقيقية. دون أن تغرقها المعلومات التي بين يديها.

فهل نحن بالفعل أمام أسلوب جديد يضاف إلى أساليب كتابة الرواية ؟ أم أن الكاتبة قد ابتعدت عن الخيال الروائي والتصقت أكثر من التدوين والتأريخ؟

والحقيقة نحن أمام أسلوب يحسب للكاتبة .. وإن بدأ الرأي الثاني جليا إلا أنها لم تأتي بسرد أحداث مجردة من الإدهاش والغرائبية..وإن حدثت بالفعل . وهنا استطاعت أن تقدم لنا ما حدث مؤطر بالخيال المذهل.

صحيح أن الكاتب الروائي ليس معني بسرد الأحداث كما وقعت.. فذلك من اختصاص المؤرخ.. وصحيح أن الكاتب ليس من مهمته الانتصار لسلالة بشرية بعينها أو دين بعينه.. كما قرأت ما جاء في الغلاف الأخير للرواية.. أنها سلطت الضوء على هجرة السوريين وحياتهم خارج أوطانهم وبالذات في اميركا الجنوبية.. بل وذكر بأن الكاتبة هي الأولى في هذا الشأن .. ونسي ذلك الكاتب بأن الرواية لا تقوم محل البحث ..وليس من مهمة الكاتب التقصي . بل مهمة الرواية الانتصار لقيم السلام والحب والعدالة من خلال سرد فني لأحداث متخيلة .. وفي قوالب شيقة تثير الإدهاش لدى المتلقي. وما ذكر في الغلاف الأخير يجوز أنه جاء من زاوية الحسه القومي السوري . أو الترويج للرواية.. كما لو كتن بحثا أو كتابا تاريخيا.

إذا علينا أن نعترف بأننا أمام أسلوب جديد يتماس بين الرصد والتخييل.. بين ما حدث وما يتصوره الكاتب من عوالم تقودنا إلى مراحل الإدهاش.

وعودة على ما ذكرت سابقا .. الماس ونساء عملا مختلفا أسلوبيا .. وإن جاءت غزارة تلك الأسماء في الرواية مربكة للقارئ .. والتنقل بين تلك الأمكنة التي تناثرت هنا وهناك مربكة.. ومحاولة الربط بين حكاية كل شخصية بالشخصيات الأخرى. وما خفف على القارئ تلك التشابكات.. محاولة الكاتبة فصل حكاية كل شخصية تحت عناوين منتقاة.. جعلتها باسم كل شخصية أو مدينة .

وهنا يحدث أن يشعر القارئ بفقدان خيوط الحكاية .. ليحاول جاهدا العودة إلى الخلف حتى يمسك بتلك الخيوط وذلك الكم من الأسماء والحكايات والربط بينهما.. متسائلا أي قدرة تمتلكها الكاتبة حتى استطاعت جمع تلك الخيوط وحبكها في جدائل حكائية ممتعة.

أن تقدم لنا الكاتبة في الماس ونساء روايتين شبه مفصلتين هي رواية ألماظ خانم في الجزء الأول.. ورواية برلنت في الجزء الثاني ثم استطاعت أن تجعل من الروايتين عملا واحدا من خلال نفس الأمكنة التي دارت فيها أحداثهما المشتتة بين أربع قارات وأكثر من خمسة عشر دولة وعشرات المدن المتناثرة على كوكبنا الأزرق. ثم نمنمة تلك الروايتين بجزيئات حكائية لا يتجاوز بعضها الصفحتين وأخرى العشر صفحات .. ما جعلها تقدم عمل مذهل . يشعر القارئ ذلك الجهد الذي بذل من الكاتبة لإخراج هذه الرواية كما هي عليه.

وما كان يضايقني كقارئ تلك التقريرية التي كانت تقع فيها الكاتبة بين فينة وأخرى حبا منها في عدم تضييع بعض المعلومات التاريخية .. في ذكر حدث هنا أو وصف هناك لا يخدم الخط العام للرواية .. إضافة إلى تلك التشظيات جعلتني في أكثر من موضع أقرب إلى التوهان وفقان الربط بين شخصية وأخرى أو حدث وآخر.. وقد يأتي ذلك نتيجة لكثرة الوثائق التي بين يدي الكاتبة أثناء الكتابة والتي تغري بتدوينها دون أن يكون لها أثر في تنامي الشخصية أو تطور الحدث.

وأمر آخر تجلى في أكثر من موضع الحساس بأن هناك قفز على الزمن من خلال ذكر بعض الشخصيات التاريخية والأحداث دون مقدمات تذكر.. لأعود أبحث فيما سبق رابط زمني لذلك التجاوز.

ما كان يجب علي ذكر الأسطر هذه حتى لا يعتبرها القارئ انتقاص في عمل بديع .. وأجزم بأن هذه الرواية إضافة حقيقية لفن الرواية العربية وتطورها .. واستحقت وصولها إلى القائمة القصيرة للبوكر بجدارة. فهي رواية مدهشة ولا تُنسى أحداثها وأمكنتها المتعددة والكثير من شخصياتها الغريبة وتلك العلاقات الشائكة بينها في الحب والمغامرات والحزن والفرح. وحرارة الغرائز الإنسانية والرغبات المتعددة.