قائمة الموقع

الحلبي.. اليسارية التي ترأست "نساء حماس"

2015-09-14T08:38:31+03:00
الزميل محمد أبو زايدة يحاور الحلبي
الرسالة نت- محمد أبو زايدة

ارتدت ثوب النضال، وهمّت متجهة إلى الأب الروحي لحماس الشيخ أحمد ياسين نهاية سبعينات القرن المنصرم , حيث طلبت منه تجنيدها في صفوف المناضلين، وإعطائها سلاحًا، فقابلها بابتسامة واثق، وناولها كتابًا بعنوان "الشباب والتغيير" للمفكر الإسلامي الراحل فتحي يكن -الأمين العام السابق للجماعة الإسلامية في لبنان-، طالبًا منها تلخيصه، فأدركت رجاء الحلبي حينها؛ أنّ المعركة فكرية قبل أن تكون مسلّحة.

توالت لقاءات الحلبي وزميلاتها بالدراسة مع الياسين ، إلى أن جلسن أمامه بعد تلخيص مجموعة كتبٍ، واثبات مهارةٍ فكرية نالت إعجاب الشيخ، فطلب منهن البيعة، وكان نصيب رجاء أن تكون جالسة على يمين الشيخ، فكانت أولى من تبايع بعهد الله وميثاقه أن تكون مخلصة في جماعة الاخوان المسلمين، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره إلا معصية الله، وعلى ألا تنازع الأمر أهله، وعلى بذل الجهد والمال والدم في سبيل الله ما استطاعت الى ذلك سبيلًا.

ومنذ لقاء الياسين توالت مهام رجاء، وحملت رسالة الدعوة إلى أن وصلت إلى رئاسة الحركة النسائية الإسلامية في حماس، فطلبنا منها موعدًا لتخبرنا عن تجربتها، عسى أن يرتوي منها قارئ، فيسير على ذات النهج.

عند وصول "الرسالة" مقر الحركة النسائية، كانت ابنة حماس -رجاء- في استقبالنا برسمية المنصب الموكل إليها، ومن حولها أثاث منظم بلمسة فنية، وخلية "ماجدات" من حماس يضعن بصمة في عالم الإعلام، وبدأت تروي حكايتها وكأنّه حديث مع الذات.

النشأة

كنت أخشى من كسر جليد الرسميات، إلّا أنها باشرت حديثها بالتعريف عن نفسها بكل ثقة قائلة "الاسم رجاء وعمري الزمني (52 عامًا)، ولكنني اعتبره (17 عامًا) روحًا ونشاطًا".

رأى وجهها النور حينما كان والدها في أقبية المعتقلات الإسرائيلية، في التاسع من يونيو/حزيران، عام 1963، فدعت أمّها - وطنية- التي كان لها نصيب من اسمها، أن يفك الله أسر زوجها، فجاءت "رجاء"، وتوفي والدها -عمر- نتيجة تعذيب الاحتلال، وكان عمرها وقتئذ 9 سنوات.

تقول: "كان الاحتلال يجوّع كلابه ويطلقها على الأسرى لتنهش لحمهم، وهنالك صور لوالدي وهو يتعرض لصنوف التعذيب".

مرّت السنين على رجاء، وفي كلِ عامٍ تشهد مأساة جديدة من حملة اعتقالاتٍ طالت ثلاث شقيقات لها "فاطمة، ولطيفة، وآمال"، واقتحاماتٍ متتالية من قوات الاحتلال لبيتهم الذي كان يأوي مناضلين، فعززت هذه المواقف من شخصيتها، وأعطتها دافعًا لتكون "مناضلة".

"كنت حتى الصف الثامن أسيّر المظاهرات المدرسية، ومديرة المدرسة تدعوني لعدم التهوّر"، تقول رجاء.

قطبت جبينها وتحدثت بلهجة مليئة بالانتفاضة: "المرحلة الثانوية كانت تمثل "رجاء الثائرة"، ففي تلك الحقبة دخل أحد المناضلين من الجبهة الشعبية إلى منزلنا، وأعجبني كفاحه، لأنّني كنت أؤيد من يحمل السلاح في وجه الاحتلال".

تبنّت رجاء فكر "الجبهة الشعبية"، وبدأت في قراءة كتب اليسار، وأكثر ما شدّها كتب "لينين، وماركس"، إلّا أنّها غيّرت موجتها بعد بضع سنوات، حين اطّلعت على فكر الحركة الإسلامية، وأوّل ردة فعلٍ لها تمثلت في "ارتداء الحجاب".

تقول رجاء: "تعرضت لانتقادات شديدة بعد ارتدائي الحجاب.. حتى مديرة المدرسة التي كنت فيها وجّهت لي تهديدًا، ولكن الله زرع في قلبي النور فلم أبالِ، وأكملت الطريق".

الثائرة والجامعة

كانت مرحلة الثانوية في حياة رجاء تمتاز بإعلانها ثورة مظاهرات مدرسية تنديدًا بالاعتقالات والاقتحامات الإسرائيلية المستمرة، تضيف: "كنت زعيمة المدرسة في المظاهرات".

لكنّها شعرت بضرورة الانتساب رسميًا إلى التيار الإسلامي، فسرعان ما اتجهت برفقة زميلتي دراسة إلى بيت الشيخ ياسين، حتى تشرب الفكر وترسخه من منابعه الأصلية؛ وبايعنه، وأكد لهنّ أنّهن أوّل من بايعنه، ونقلت على لسانه قوله آنذاك "أنتن أول من قبلت العمل معهن في التنظيم".

وما بعد البيعة تركز عمل رجاء في المساجد بتكليفٍ من الشيخ ياسين، "لما أمتلكه من ملكة في البلاغة وتوصيل الفكرة". وفق قولها، متابعة "أصبحنا نتلقى الدروس على يد الشيخ ياسين، ونتعلم الفقه وأمور الدين منه مباشرة، وهو أوّل من حفظني أجزاء من القرآن الكريم، ولم يبخل علينا في أي استفسار، وننقل علمنا لنساء المنطقة التي كلفنا بإدارتها".

أنهت رجاء مرحلة الثانوية العامة، وسجّلت في الجامعة الإسلامية بعدما طلب منها الشيخ ذلك، وتصف الحدث بالقول: "من أروع القرارات في حياتي وجودي في الإسلامية".

"طموحي الارتقاء بتنظيم الحركة النسائية مؤسساتيًا وإداريا، واستثمار الطاقات الشبابية"

 تزامن دخول رجاء مع مجموعة من قيادات حماس الحاليين، ومنهم "الدكتور خليل الحية، وعطا الله أبو السبح"، واستغلّت وجودها في الجامعة لنشر الفكر الإسلامي، تقول: "كنا ننظم تجمعات فكرية بين الطالبات، نتبادل الفكر والثقافة، وفي أوّل انتخابات جامعية فزنا بها عن قائمة التيار الإسلامي".

كانت الجامعة الإسلامية تعطي سنة تأهيلية لطلبتها، ومن بعدها يتم تصنيف الطالب وفقًا لمعدله، فتأهلت رجاء آنذاك للدخول في كلية التجارة، أو اللغة العربية، إلّا أنّها أصرّت على أن تكون في كلية أصول الدين، والتي لم يكن لها وجود، فرفعت وزميلاتها كتابًا لإدارة الجامعة، حتى وصلها الرد: "إن استطعتم تجميع 30 اسما سنفتتح كلية لكم".

تقول رجاء: "استطعنا في نفس اليوم تلبية الشرط وكان الطلبة من الأوائل، وكان الشيخ ياسين يتابعنا باستمرار".

أشكال الترغيب في الفكر الإسلامي تواصلت، فكانت تعقد رجاء رحلات جامعية، ودورات تدريبية، وتسعى لعمل أبحاث ميدانية عن الحالات الاجتماعية التي تستحق المساعدات، حتى رغّبت من حولها بهذا الطريق، فسلكوه.

تطايرت بعض الأوراق من أمام رجاء بسبب المروحة التي خففت من حرارة الجو، فأعادت ترتيبها واستحضار الماضي بقولها: "رغم ذلك إلّا أنني أرى نفسي امرأة عسكرية، تمنيت سابقًا العمل في المباحث"، قاطعتها بالسؤال وهل تعتبرين نفسك هكذا مع الموظفات؟، عادت بسمتها من جديد وإذ بإحدى العاملات في مكتب "الماجدات"، واسمها فاطمة عبد الله، قد حضرت إلى مكان عقد اللقاء، فأعادت عليها السؤال، حتى أجابتها الأخيرة بالنفي، وعددت مناقب رجاء في العمل من ناحية التقرب إلى الأخوات، وإزالة الحواجز الإدارية.

تعود رجاء بذاكرتها لانتفاضة الحجارة عام (1987)، وتستحضر جلسة الشيخ ياسين مع الأخوات، ومشورته في تشكيل نواة للحركة النسائية، فاتخذوا من "جمعية الشابات المسلمات" مقرًا لعملهن، وخاطبوا من خلالها المواطنين وقدموا لهم المساعدات المختلفة، حتى كبرت الجمعية وأصبح لها فروعًا مختلفة في قطاع غزة.

"سعيت جاهدة لإبراز دور المرأة في الحركة النسائية بجميع مجالات العمل على الساحة الفلسطينية، وأن تصل إلى المراكز القيادية في المجتمع"، تقول رجاء، مشيرة إلى أنّ سبب إصرارها على سمو طبقة "الماجدات"، يعود لأن "كثيرًا من اللواتي يتصدرن الإعلام يمثلن أقلية متحررة، بيد أنّهن يختلفن عن الفكر الإسلامي، فيصبح لدى المتلقي من دولة أخرى، أنّ هؤلاء يمثلن المجتمع الفلسطيني".

وعند سؤالنا "إلى أين ستصلين بالماجدات"، أجابت بكل ثقة: "طموحي الارتقاء بتنظيم الحركة النسائية من ناحية مؤسساتية وإدارية، واستثمار الطاقات الشبابية، والوصول إلى جميع المجالات التي بإمكان المرأة المسلمة في فلسطين إدراكها".

الحياة الاجتماعية

غيّرنا دفة الحديث لننتقل مع رجاء إلى حياتها داخل الأسرة، فسألناها عن زواجها، فتبسمت كفتاةٍ ترقب موعد الخطاب، وعادت بذاكرتها للوراء قائلة: "كنت طالبة جامعية عند الدكتور يونس الأسطل، وازدادت معرفته بي من خلال أنشطة مجلس الطلبة، حتى خطبني لشقيقه.. رفضت الأمر وأصررت على اكمال تعليمي".

"مهري 5 دنانير ورفضت أكثر من ذلك، شريطة استمرار عملي الدعوي، فرد زوجي: إن لم يزد نشاطك؛ لن ينقص"

توالت الأيام، حتى عاد الدكتور يونس الكرة مرة أخرى، وتقدم لخطبة رجاء لنفسه، وشقيقتها -سناء- لشقيقه، فاستشاروا الشيخ أحمد ياسين وبارك الزواج.

وللمهر حكاية ترويها لنا رجاء قائلة: "لم يكن الدكتور يونس يملك مهرًا للزواج، فتقاسم مع شقيقه الذي حضر من الجزائر بمبلغ 5 آلاف دينار أردني، وعندما تقدما لم نقبل إلا 5 دنانير لكل واحدة، ورفضت العائلة أي مبلغ يزيد عن ذلك (..) واشترطتُ أن يستمر نشاطي وعملي للإسلام".

كان رد الدكتور يونس على رجاء "إن لم يزد نشاطك الدعوي؛ لن ينقص"، وفي أوّل يوم من زواجها، عقدت تجارة مع الله، فوضعت مهرها صدقة، بيد أن شقيقتها الأخرى قررت شراء مصحف بالمهر، لتبدأ حياتها بالقرآن.

ومع أوّل عامٍ في عش الزوجية الذي تكلل بحياة مبنية على التفاهم، وتفويضًا مطلقًا لرجاء بإدارة البيت، والتصرف كيفما ترتئيه مناسبًا، وازدادت الحياة جمالًا عند قدوم أوّل طفلٍ، ولكن.. "يا فرحة ما تمّت"، فقد رزقوا بأول مولود وقدَّر الله أن يتوفى وجاء بعده آخر وتوفي أيضاً، والمولود الثالث كانت فتاة وكُتب لها البقاء، ثم اثنان من الأولاد مات أحدهما بعمر الثامنة، وثلاث فتيات توفاهن الله، وآخر كتب له البقاء، واثنان آخران ماتا في شهور حملهما الأخيرة واثنان أكرمهما الله بالعيش في كنف العائلة.

كانت حصيلة المتوفين من عائلة رجاء، ثمانية أبناء، تلقت خبر وفاة كلٍ منهم بدعوة "اللهم اجعله شفيعي يوم القيامة"، لكنّها ما زالت تذكر الغصّة في قلبها حين وردها نبأ وفاة ابنها محمد، و"الذي جاء على عطش".

"اروِ لنا حكاية وفاته"، طلبنا منها ذلك، فقالت وهي تحاول ضبط أعصابها: "كنّا نبني بيتنا في خانيونس جنوب القطاع، فطلبت منه أن يسأل العمّال عن الطعام الذي يرغبون تناوله، وعندما جاء وأخبرني، طلبت منه الذهاب إلى مدرسته حتى لا يتأخر، وما إن قطع الشارع حتى صدمته سيارة، ولقي حتفه".

كانت أنفاس رجاء تتسارع مع روايتها لوفاة ابنها محمد، واستطاعت أن تخفي دمعتها التي كادت أن تهمّ بالنزول، فغيّرنا مجرى الحوار بطلبنا معرفة قصة زواج ابنتها ايمان. وكأنّ السؤال غيّر عقارب الساعة لسنواتِ خِطبة ابنتها، فتبسمت رجاء وقالت: "كان والدها يناقش رسالة ماجستير لأحد طلاب الجامعة، وبعد انتهاء المناقشة أثنى على بحثه واجتهاده وقال: "بناءً على جهد الطالب واجتهاده فإنني أقدم له ابنتي إيمان هدية لتكون له زوجة على سنة الله ورسوله".

وكأنّ الحكاية نُسخت من زمن رجاء لابنتها ايمان، فلم تقبل العائلة مهرًا أكثر من (1000 دولار أمريكي)، وهمّ الشيخ يونس بإحضار المبلغ ليعطيه إلى خطيب ابنته، لكنّ الأخير رفض، وقدّم المهر للعائلة.

تبسمت رجاء من جديد في نهاية حوارها مع "الرسالة" وختمت حديثها بالقول: "بعد إعلان الخطوبة أصبح الجميع يطلب من الشيخ يونس هدية لنفسه، كإيمان".

اخبار ذات صلة